كأس العالم 2018

الاقتصاد في عصر اقتصاد المعرفة

يطلق على هذا العصر عصر المعرفة، وكان هذا نتيجة للتغيرات الجديدة التي شهدها العالم في شتى المجالات، وما أحدثته ثورة التكنولوجيا والمعلومات من تطور سريع على نطاق واسع، فأصبحت القدرة على الإنتاج والتقدم تعتمد على القدرة على الإبداع والابتكار، وتحويل المعلومات إلى معرفة، ثم تحويل هذه المعرفة إلى منتج متميز، وكما يبدو فإن الدور الذي أصبح للمعرفة في توليد الثروة وزيادتها وتراكمها من خلال الإسهام في تحسين الأداء، ورفع الإنتاجية، وتخفيض كلفة الإنتاج، قد أدى إلى ظهور اقتصاد المعرفة، الذي يتطور بسرعة، ومبادئه تتجذر وتتوسع في مواجهة الاقتصاد التقليدي.

لكننا لا يمكن أن نفهم هذا الاقتصاد الذي يقوم على المعرفة إذا لم نكن نملك المعرفة التي يقوم عليها الاقتصاد، بمعنى أننا لن ندرك ما يرمى إليه باقتصاد المعرفة إلا بمعرفة سمات الاقتصاد التقليدي وهذا من خلال النظر في سمات الاقتصاد المعرفي، وهو ما لا يتبين إلا بلغة المقارنة، مع التركيز على أولوية الاقتصاد المعرفي بشكل رئيس في المقارنة.

ويمكن حصر خصائص الاقتصاد المعرفي والاقتصاد التقليدي بسهولة من خلال النظر في سمات اقتصاد المعرفة، فنجد أولاً أنه اقتصاد الوفرة، إذ وبخلاف معظم المصادر التي تنضب بالاستخدام، بمعنى أنه لا يعاني من الندرة بالمعنى التحليلي القديم، بل له وفرة في الموارد التي يمكن استمرار زيادتها عبر الاستخدام المتزايد للمعرفة والمعلومات، كما يسمح فيه باستخدام التقانة الملائمة بخلق أسواق ومنشآت افتراضية تلغي قيود الزمان والمكان من خلال التجارة الإلكترونية، ويمكن تقاسم المعلومات والمعرفة، وبالإمكان أن تنمو عند الاستعمال.

ونجد أنه قد تلاشت أهمية الموقع الجغرافي، إحدى أهم خصائص الاقتصاد التقليدي، فباستخدام التكنولوجيا المناسبة والوسائل المناسبة يمكن إنشاء الأسواق الافتراضية والمنظمات الافتراضية التي توفر السرعة في الإنجاز على مدار الساعة، وفي أي مكان في العالم، ومن الصعب تطبيق القوانين والحواجز والضرائب على المستوى الوطني، فالمعرفة «ترشح» حيث الطلب الأعلى، وحيث الحواجز تكون أدنى، كما أن المنتجات والخدمات المبنية على المعرفة تحقق أسعاراً أعلى من أسعار المنتجات المشابهة التي تفتقر إلى الكثافة المعرفية، وكذلك فان التسعير وقيمة المنتجات أو الخدمات تعتمد بشدة على السياق.

وهكذا فإن المعرفة ذاتها لها قيمة مغايرة بالنسبة إلى أناس مختلفين في أوقات مختلفة، وعندما تكون المعرفة ضمن إطار أنظمة أو عمليات، فإنها تمتلك قيمة جوهرية أعلى من المعرفة غير المنظمة التي تكون في رؤوس الناس، وإن رأس المال البشري هو أهم مكونات القيمة في المؤسسات المبنية على المعرفة، وما يميز هذا الاقتصاد الجديد هو الطلب على اليد العاملة ذات الكفاءة والمتخصصة في المعرفة، ولا يمكن نقل ملكية المعرفة من طرف إلى طرف آخر، ومن المعلوم نظرياً أن اقتصاديات الأشياء المادية تختلف تماماً عن اقتصاد المعلومات، فيتصف اقتصاد المعرفة بأنه اقتصاد وفرة.

كما أسلفت، أكثر من كونه ندرة؛ ولأن الموارد يمكن أن تنضب من جراء الاستخدام والاستهلاك بينما تزداد المعرفة بالتعلم والممارسة والاستخدام، وكذلك فإنها تنتشر بالمشاركة، ومن الصعوبة تطبيق القوانين والقيود والضرائب على أساس قومي بحت في اقتصاد المعرفة، على عكس الاقتصاد التقليدي؛ حيث إن المعرفة متاحة للجميع في جميع أنحاء العالم، وأنها أصبحت تشكل عنصر الإنتاج الأساسي، وبالتالي فإن هذا يعني هيمنة الاقتصاد العالمي على الاقتصاد القومي أو الوطني، ونظراً لما شهده العالم في الربع الأخير من القرن العشرين من جملة من التحولات، واتجاه سريع نحو تحرير التجارة، ولجوء مركز إلى التكتلات الإقليمية، وبروز لدور الشركات متعددة الجنسيات، ويعد التطور التكنولوجي جوهر هذه التحولات.

وأهم مميز للاقتصاد العالمي المعاصر، واستجابة لكل هذه التحولات دخل العالم مرحلة جديدة من التطور، الأمر الذي جعل الدول تقع تحت هاجس التنافس ولا سيما أن المصادر التقليدية للمنافسة لم تعد بالأهمية ذاتها، وهو ما جعل الاهتمام يتجه نحو مصادر جديدة للمنافسة لا ترتبط بكثافة رأس المال فحسب، بل بامتلاك المعارف والمعلومات والتكنولوجيات والمهارات والتحكم بالتقنية الحديثة، والاحتكام إلى أساليب متطورة ترتكز على الإبداع والابتكار والتجديد والمبادرة.

إن من أهم ما يتميز به اقتصاد المعرفة هو أن العامل الرئيسي في الإنتاج هو المعرفة بعد أن كانت الأرض في الاقتصاد الزراعي، ورأس المال في الاقتصاد الصناعي، وهو ما أكده بيتر دريكر Drucker أن المعرفة أصبحت مورداً أساسياً من موارد الإنتاج، وهو ما يعني التحول في مركز الثقل من المواد الأولية والمعدات الرأسمالية إلى التركيز على المعلومات والمعرفة والبحث، ومن الممكن الفصل بين القيمتين، وأن المعرفة لا قيمة اقتصادية لها (قيمة تبادل) إلا عند استعمالها، فلقد ازداد المكون المعرفي في المنتج إلى حد كبير، سواء كان سلعياً أو خدمياً.

إن مفتاح القيمة في اقتصاد المعرفة هو مدى تنافسية رأس المال البشري، فلا يمكن نقل ملكية المعرفة من طرف لآخر عكس عناصر الإنتاج، وفيه يتم التركيز على اللاملموس كالأفكار والعلامات التجارية، بدلاً من الآلات والمخزونات والأصول المالية. وللحديث بقية.

* مستشارة اقتصاد معرفي

تعليقات

تعليقات