قيم المواطنة في العهد النبوي

أقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنبل المجتمعات، وأرسى فيها أرفع القيم الإيجابية، ومنها قيم المواطنة الصالحة، التي تجعل كل فرد عضواً صالحاً في مجتمعه، ولاءً وانتماءً وعملاً وسلوكاً.

فمن قيم المواطنة في العهد النبوي حب الوطن، وعدم خيانته، والدفاع عنه في أوقات السلم والحرب، وحمايته من الأخطار، وصد الشائعات عنه، وحفظ أمنه واستقراره، والتصدي لمن يزرع الفتنة والفرقة فيه، والعناية بمصالحه العليا، وقد أرسى النبي عليه الصلاة والسلام هذه المبادئ، حتى جعل المدينة النبوية واحة أمن وأمان، وتصدى بحزم لكل محاولة مغرضة لزعزعة استقرار المدينة داخلياً وخارجياً.

ومن قيم المواطنة كذلك بناء العلاقة الإيجابية بين الحاكم والمحكوم، والتي تقوم على أساس الحقوق والواجبات المنوطة بكل طرف، فمن حقوق الحاكم الولاء والوفاء والاحترام والتوقير والالتفاف حوله ومناصرته، ومن حقوق الرعية جلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم وتحقيق ما فيه سعادتهم.

ومن قيم المواطنة كذلك احترام النظام والقانون، وقد رسخ الإسلام هذا الجانب من خلال طاعة الحاكم، والعمل بما يصدره من أنظمة وقوانين، صيانة للمجتمع من الخلل والفوضى، وأعلى النبي عليه الصلاة والسلام روح القانون والعدالة في المجتمع، فلا ظلم ولا فوضى ولا محاباة.

ومن قيم المواطنة في العهد النبوي التعايش السلمي، حيث جعل الإسلام المحافظة على الأنفس والأعراض والأموال من الضروريات الخمس، وحرم الاعتداء عليها، ووضع النبي عليه الصلاة والسلام المواثيق التي تحقق السلام في المجتمع، وترسي دعائم العلاقات السلمية بين المسلمين وغيرهم.

ومن قيم المواطنة كذلك تحقيق المحبة والتآلف والتكاتف بين أفراد المجتمع، وشرع الإسلام أموراً عدة من أجل ذلك، كإلقاء السلام ورده، والتزاور، والتهادي، واجتناب أسباب التفرق والاختلاف وما يثير البغضاء والتشاحن، ومدح الله تعالى الأنصار بهذه الخصلة، وهي المحبة، قال تعالى: {يحبون من هاجر إليهم}، وجمع النبي عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار على رباط المحبة.

ومن مبادئ المواطنة كذلك التكافل الاجتماعي، بحيث يقوم المجتمع بدوره تجاه أي فرد هو عضو فيه، من جهة العناية به، ومد يد العون له مادياً ومعنوياً، وقد رسخ النبي عليه الصلاة والسلام قيم الإحسان والبر وتفريج الكرب والتعاطف، كما شرع الزكاة والصدقة والوقف وعمل الخير، وخص الفئات الضعيفة بمزيد عناية، كالفقراء والأيتام والأرامل وكبار السن، حتى غدا المجتمع النبوي متضامناً كالجسد الواحد.

ومن قيم المواطنة في العهد النبوي بناء العلاقات الإنسانية الراقية، فشُرعت الحقوق العامة والخاصة كحقوق الأرحام والجيران والضيوف والأصدقاء وغيرهم.

ومن قيم المواطنة كذلك الاهتمام بالأسرة، كونها ركيزة المجتمع، وحاضنة الأفراد، فوطَّد الإسلام العلاقة بين الزوجين، وأقامها على أساس المودة والمحبة، وبيَّن حقوق الزوجين والأبناء، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة في ذلك، بالعناية بأسرته، وخدمته لهم، فكانت أسرته أسرة نموذجية يقتدي بها الجميع.

ومن قيم المواطنة في العهد النبوي بناء الفرد علمياً، ويعتبر اليوم محو الأمية العلمية مفتاحاً للمواطنة الصالحة، ويعد التعليم الجيد إحدى أهم الوسائل التي تمكّن الفرد من مساعدة مجتمعه والإسهام في بناء اقتصاده، وقد أعلى الإسلام قيمة العلم، وأولاه النبي عليه الصلاة والسلام عناية كبيرة، حتى حقق التعليم في المجتمع النبوي انتشاراً مذهلاً، وأصبح العلم والمعرفة سمة بارزة من سماته.

ومن قيم المواطنة الصالحة كذلك التخلق بالأخلاق الحميدة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام خير قدوة في ذلك، وصفه الله سبحانه بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم}، ورسخ النبي عليه السلام دعائم الأخلاق في المجتمع، وأولاها عناية كبيرة، حتى أصبح كل فرد في المجتمع مثالاً يُقتدى به في نبل أخلاقه.

ومن قيم المواطنة كذلك تحمل المسؤولية، والتحلي بالرقابة الذاتية، ويقظة الضمير، وحسن أداء الأمانة، وإتقان العمل، فكل فرد مسؤول عن أعماله، أمام الله تعالى أولاً، وأمام القانون والمجتمع ثانياً، وقد أرسى النبي عليه السلام هذا المبدأ في أحاديث كثيرة، ليكون كل فرد رقيباً على نفسه، يحثها على الخير، ويكفها عن الشر.

ومن قيم المواطنة في العهد النبوي العمل التطوعي، فنقَّى الإسلام الفرد وهذَّبه، ونمَّى فيه روح التضحية والإيثار، وطهَّره من الطمع والإفراط في حب المادة، ووعده بنيل العوض من الله في الدنيا والآخرة، ورسخ النبي عليه الصلاة والسلام هذه القيمة في المجتمع منذ قدومه المدينة، حيث تطوع الجميع في بناء المسجد النبوي.

ومن قيم المواطنة كذلك المحافظة على البيئة، فقد حث النبي عليه السلام على نظافة البيئة، وحمايتها، والمحافظة على الموارد الحيوية، ومنع التبذير والإسراف، والعناية بالثروة الحيوانية والنباتية، وشرع حقوقاً للحيوان عكست سمو الحضارة الإسلامية منذ بزوغ فجرها.

ومن قيم المواطنة في العهد النبوي التحلي بالوسطية والاعتدال، ونبذ الغلو والتطرف، وتلك كانت سمة المجتمع النبوي، حتى ظهرت فئات خارجة عنه، لم ترتو من معينه الزلال، فغلت وتطرفت، وكفَّرت واعتدت، فواجهها الصحابة الكرام رضي الله عنهم مواجهة علمية توعوية لإرجاعها إلى جادة الصواب ومواجهة عسكرية حينما حملت هذه الفئات السلاح وأصرت على القتال وسفك الدماء.

تلك إشراقات يسيرة من قيم المواطنة في العهد النبوي، إشراقات متلألئة لا تنقطع أنوارها، ولا تغيب شموسها، تعكس جمال حضارة إنسانية كبرى، أراد أن يشوهها المتطرفون فعجزوا، ويستعدي ضدها المتحاملون ففشلوا، ولم تزدد إلا تألقا في عين كل منصف.

- مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات