كان القرار المتعلق بالقدس مجرد قرار أخير في عام من التحركات الأميركية المنفردة والانسحاب من أشكال التعاون الدولي والالتزامات الدولية التي طبعت سياسة الرئيس صاحب شعار «أميركا أولاً».

وقد وصل ترامب إلى المنصب برسالتين متناقضتين للعالم في الظاهر: نداء قومي بأن الولايات المتحدة لن تكون بعد الآن عملاقاً مقيداً بل ستتحرر من القيود الدولية وتضع مصالحها في الصدارة، والتزام باستعادة «الزعامة الأميركية القوية» في مواجهة التحديات الأمنية الملحة في العالم.

بعد ذلك بعام تقريباً، اتخذت هاتان الرسالتان شكلاً عبر إجراءات تشير إلى أنه في ظل ترامب، فإن القوة الصلبة ستتغلب على الناعمة، والعمل القومي على التعاون الدولي، والمكاسب المباشرة على ما يراه صاحب الأعمال التجارية مساعي دقيقة طويلة الأمد.

وتميزت السنة الأولى لترامب بانسحاب الولايات المتحدة من الدبلوماسية الدولية ونظام المؤسسات والحكم الدولية التي صممتها وقادتها لأكثر من سبعة عقود. من الانسحاب من اتفاقات باريس للمناخ واتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي وميثاق الهجرة الدولي ومنظمة «اليونيسكو»، أظهر ترامب استخفافاً بنظام المؤسسات الدولية التي قامت الولايات المتحدة بإرسائه. لكنه في الوقت نفسه، قرن تراجع الدبلوماسية بإعادة التشديد على القوة العسكرية.

أخيراً، وقع ترامب على قانون تفويض دفاعي بقيمة 700 مليار دولار أطلق عليه «الخطوة الأولى في إعادة بناء جيشنا». وعزز التحركات العسكرية ضد «داعش» في العراق وسوريا في الوقت الذي خفف الدور الأميركي في الدبلوماسية السورية، وأعاد تأكيد التزامه بوجود عسكري أميركي في أفغانستان، وسعى لتصلب موقفه ضد كوريا الشمالية. بالنسبة إلى بعض صقور السياسة الخارجية في أميركا، مثل السفير السابق الأمم المتحدة جون بولتون، فان ترامب يسعى وراء قيادة جريئة، ويشكل قرار القدس أحد أمثلتها، بعد ولايتين من التفاعل خائر القوة والجرأة مع العالم في ظل الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

مع ذلك، فإن قلة في مجتمع السياسة الخارجية يتفقون مع فكرة أن أميركا، في سعيها للاتجاه نحو الداخل وتعزيز قوتها، ستقدم زعامة دولية أكثر قوة.

يقول الأستاذ في جامعة جورج تاون بواشنطن، تشارلز كوبتشان، والذي عمل كبير مديري الشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي التابع لأوباما: «حتى جورج بوش، وعلى الرغم من الحرب العراقية، فإنه لم يكن مهتماً في تفكيك النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، إنما في تقدمه»، لكن ترامب: «ينظر إلى النظام نفسه كوصفة لبلدان أخرى للاستفادة من الولايات المتحدة، ويريد الابتعاد عن المؤسسات والاتفاقات الدولية التي، فيما رأى رؤساء آخرون أنها تدفع بالأمن والازدهار الأميركي ينظر إليها ترامب على أنها تقيد الولايات المتحدة،».

ويقول مدير مجلس برنامج المؤسسات والحوكمة الدولية في مجلة «فورين أفيرز»، ستيوارت باتريك: «ما شاهدناه على مدى هذا العام من رئاسته هو خط يتماشى مع الرؤية القومية لحملته، التي وعدت بالانسحاب من الدبلوماسية الدولية وإنهاء استفادة الآخرين على حساب الولايات المتحدة»، مضيفاً: «وما ترجمة ذلك في الممارسة إلا تنازل تام تقريباً عن الزعامة الأميركية».

ويقول باتريك الذي خدم في وزارة الخارجية خلال الولاية الأولى لبوش إن ترامب يشكل «ارتداداً» إلى حقبة من الحس السيادي القومي الذي يرفض الترابط في صميم السياسة الدولية ما بعد الحرب العالمية.

كوبتشان بدوره يرى في «اعتراضات ترامب على الترابط الخارجي» بمثابة جذور تعود إلى الآباء المؤسسيين، لكنه يقول إن ترامب وجد دعماً لآرائه في ناخبين يشعرون بالخداع والهجران من جانب النظام الدولي الذي قامت ببنائه الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يقول كوبتشان إنه عندما يصل الأمر إلى «انسحاب الولايات المتحدة من العالم»، فإن الكلام يبدو أكثر من الفعل، وهذا بشكل واسع بسبب ضخ ترامب لأشكال من مساعي القوة الصلبة دولياً، مشيراً إلى التحالفات العسكرية المعززة في شرق آسيا، وزيادة وتيرة القوة العسكرية في أفغانستان، والوتيرة المتزايدة لعملية مكافحة الإرهاب.

وكانت إدارة ترامب، وتحديداً وزير خارجيته ريكس تيلرسون، قد حققت نجاحات مبكرة في تصعيد حملة الضغوط ضد كوريا الشمالية وفي جهود إحباط تأثير إيران المتزايد، في جانب منه من خلال تعزيز العلاقات المتجددة بين العراق والسعودية، وفقاً لكبير المستشارين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، جون هنا الذي خدم ككبير مستشاري الأمن القومي لدى الرئيس السابق ديك تشيني.

ويقول البعض إنه فيما كان السجال الدولي خلال سنوات بوش وأوباما «ما إذا كان من الأفضل أن تقود الولايات المتحدة من المقدمة أو المؤخرة، فإن السؤال الآن هو عما سيحدث عندما لا تكون هناك قيادة على الإطلاق؟

لكن باتريك يقول إنه سنشهد حقبة من التحديات الدولية التي تتطلب إجابات دولية وزعامة دولية، مضيفاً: «الاعتمادية لن تزول، لكن ما قد يزول هو اليقين وسلطة الولايات المتحدة كزعيم دولي نسبياً. فإذا انسحبت الولايات المتحدة لتصبح مجرد قوة عظمى أخرى تسعى وراء مزاياها الوطنية الخاصة، فإن هذا الأمر لن يخدم العالم ولن يعزز في النهاية الأمن والازدهار الأميركي».

*المراسل الدبلوماسي لصحيفة «كريستشان ساينس مونيتور»