الفتاوى الضالّة وهمجيّة الإرهاب

المؤسف أن الجماعات الإرهابية تعتمد على الفتاوى الضالة والمنحرفة لتبرير جرائمها، مستغلة حالة الفوضى التي تسود عالم الفتوى، وتسمح لكثير من الأدعياء أن يصدروا كل يوم فتاوى كاذبة وغير صحيحة تنشرها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

بعض هؤلاء ينبشون كتب التراث القديم بحثاً عن الشاذ ليقدموا للناس فتاوى في غير زمانها ومكانها، تخرب العقول وتقسم المجتمعات، وتثير حروباً أهلية، وتجر الخراب والفتنة على بلاد المسلمين، ومع الأسف يستخدمون أدوات ومواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون ومنابر الصحافة للوصول إلى الناس كافة دون ترخيص يعطيهم هذا الحق، ودون رقيب يسائلهم عن محتوى فتاواهم، ودون أن يكونوا مؤهلين للإفتاء، أو يحصلوا على ترخيص بحقهم في الفتوى.

هل يمكن أن يصدق أحد أن جماعة إسلامية تتسمى بأنصار بيت المقدس تقتل أكثر من ثلاثمائة مسلم في ذكرى ميلاد الرسول الكريم، بينهم الكثير من الأطفال في مسجد الروضة شمال سيناء في أثناء صلاة الجمعة، إلا أن تكون في الأغلب جماعة كافرة خارجة عن الملة والدين، مأجورة خائنة فاسدة يتحتم استئصالها.

ثم ما هي الأسباب التي من أجلها استهدفت الجماعة الإرهابية التي تمثل اتحاد تحالف الشر «داعش والإخوان والسلفية الجهادية المسلحة» مسجداً، أم أنهم يتجهون الآن إلى القتل العشوائي لأهل سيناء بعد فشلهم الذريع في التصدي لقوات الأمن والجيش التي نجحت في حصار الإرهاب وتصفية معظم عناصره وآخرهم المسلحون الذين ارتكبوا جريمة الكيلو 143 غرب الواحات وتمت تصفيتهم عن آخرهم بشهادة الإرهابي الوحيد الذي نجا من الموت، لكنه وقع في أيدي الأمن وسمع روايته أغلب المصريين.

لا أظن أن مصير الذين ارتكبوا الجريمة القذرة في مسجد الروضة سوف يختلف كثيراً عن مصير الإرهابيين الذين ارتكبوا جريمة الكيلو 134 غرب الواحات ليس آجلاً ولكن عاجلاً، وسوف يتم بعون الله إبادتهم عن آخرهم، لأن هؤلاء القتلة لا علاقة لهم بالدين، مجرد أشرار مأجورين هدفهم تدمير الوطن لصالح قوى خارجية.

لكنهم ينقرضون مع كل عملية، مصيرهم المؤكد إلى الفناء، لا يزيدون في الأغلب على ألفي عنصر إن لم يكن أقل، لا يكسبون أرضاً جديدة ولا يتقدمون إلى الأمام، ويتحركون في نطاق مساحة محدودة تفتح على مناطق الأنفاق، ومن المستحيل أن يحققوا نصراً استراتيجياً.

أظن أنه آن الأوان لاستراتيجية جديدة في مواجهتهم لا تكتفي بالكمائن وخطوط الدفاع الثابتة، وإنما تقوم على مطاردتهم حتى أوكارهم، وتقصي آثارهم وحصار تحركاتهم ومراقبة تحركاتهم جواً على مدى اليوم والساعة، وربما تكون هذه الاستراتيجية أكثر كلفة لكنها تحقق نتائج مدهشة، وهدف هؤلاء الأساسي تكريس روح الإحباط داخل الشعب وخفض معنويات الجيش والأمن، يساعدهم طابور خامس من جماعة الإخوان يجمع المعلومات وينشر الشائعات ويحاول تخريب الجبهة الداخلية.

ومن المؤكد أن الحل الصحيح في مواجهة محاولات إحباط المشاعر أن نكون جميعاً على ثقة بأننا سوف ننتصر على الإرهاب كما انتصرنا عليه مرة سابقة، وأنه سوف يندحر على أرض المحروسة، وأنه يخسر معاركه في سوريا والعراق وليبيا ومصر، وأن المجتمع الدولي سوف ينجح في تجفيف منابع تمويله.

وكما خرج داعش مهزوماً في العراق وسوريا سوف يخرج مهزوماً من أرض سيناء، شاهد ذلك جريمة مسجد الروضة التي لقي فيها أكثر من 300 مصرعهم كانوا يؤدون صلاة الجمعة، هم مدنيون أبرياء أتقياء يحبون الله ورسوله.

علاوة على ذلك ومن حيث بدأ الحديث، أصبح من الواضح أنه بدلاً من أن يكون الإفتاء قاصراً على المجامع العلمية المعتمدة مثل الأزهر ودار الإفتاء في مصر أو الحرم المكي في مكة المكرمة أو جامع الزيتونة في تونس و المسجد الأقصى في القدس، أصبح الإفتاء سداحاً مداحاً من حق أي من أحاد الناس، يفتي بغير علم ودون أهلية وبغير ترخيص في أمور خطيرة يمكن أن تضر السلم الأهلي.

والأخطر من ذلك أنهم يفتون دون معرفة حقيقية بواقع العباد وأحوالهم، وصاحب الفتوى لا يكون صحيحاً إلا إذا عرف أحكام الدين الصحيح، وعرف في الوقت نفسه الواقع الصحيح، وما يزيد من حجم الكارثة هذا التساهل والاستسهال في الإفتاء دون دراسة شرعية، ولأهمية دور القاهرة في الضبط الصحيح لرسالة الإفتاء، يتحتم على الدولة المصرية أن تصدر تشريعاً عاجلاً يمنع أحاد الناس من القيام بالفتوى ما لم يكن مؤهلاً لهذه الرسالة، يحمل ترخيصاً بالفتوى يصدر عن مرجعية صحيحة يمكن أن تتمثل في مجلس مشترك من الأزهر ودار الإفتاء، وتلزم أجهزة البث والإعلام بمنع نشر أي فتاوى لا تصدر عن مرجعية صحيحة لها حق الإفتاء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات