فجأة أصبحت مسألة البريكست أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مثيرة للاهتمام كثيراً. وحتى وقت حديث كنت أعتبرها واحدة من تلك الأزمات التي نخوضها بصورة غير ملائمة، تماماً مثل انهيار أحد البنوك، أو شتاء السخط الناجم عن إضراب أحد المرافق الأساسية في المملكة المتحدة. لكن الزمن كفيل بتقديم تنازلات كبيرة. والخوف من إقامة مشاريع قد تظهر أنها ليست بذلك السوء كما كان يعتقد.

في الوقت الحالي تعتبر أنجيلا ميركل المسؤولة عن عملية البريكست، باعتبارها صاحبة الحس السليم. وقد أبلغنا أن مفاوض الاتحاد الأوروبي مايكل بارنير المعروف بعناده الشديد، ينتظر دائماً في بروكسل إيماءة من برلين. وربما يحاول المصرفيون المستبدون الألمان تعريض منطقة اليورو للخطر.

ولكن صاحبة العقل الراجح ميركل دائماً لهم بالمرصاد، كما تعتبر حجر عثرة وبراغماتية في وجه الروس، وتتعامل بقسوة مع اليونان، ومع ذلك نراها تستقبل اللاجئين بالترحاب، ولا تنفق الأموال إلا بحرص شديد.

ولكن يبدو أن الصخرة العنيدة قد تفتت، أما حلفاء ما بعد الحرب العالمية الثانية الذين وضعوا التشريعات القانونية لألمانيا بهدف التصدي لها، فقد أصبحوا يتعاملون معها بصورة فظة. وبين عشية وضحاها، جعلت ميركل رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي تشعر بالأمان على نحو إيجابي.

لا توجد لدينا فكرة ما يترتب على الزعامة في برلين، وهكذا لا ندري ما الذي تخبئه الأقدار للاتحاد الأوروبي. ولا يوجد أسوأ من هذا الوقت بالنسبة لبريطانيا للتشويش على الخطط والترتيبات بشأن ذلك.

لقد قدر للبريطانيين أن يتذكروا أشياء كثيرة، لكنهم أحياناً لا يتذكرون بقدر كافٍ. وعبر التاريخ، اعتمد السلام في أوروبا على توازن القوى بين العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وأي صراع كبير في تاريخ هذه القارة نجم عن الإخلال في هذا التوازن، وعلى امتداد 150 عاماً كانت ألمانيا هي المتسببة في هذا الاختلال.

لم تشكل بريطانيا على الإطلاق جزءاً من هذا التوازن، فهي جزيرة تكفي أودها. وخلال حرب المئة عام، حاولت أن تصبح قوة أوروبية، لكنها خلطت الأمور وقلبتها رأساً على عقب، ولم تحاول ذلك مجدداً. وقد أشرف الملك هنري الثامن على أول بريكست في عام 1534.

ففصل بريطانيا عن سلطة الروم الكاثوليك في أوروبا. ونحى ملوك العصر الفكتوري الذين أعقبوه أمثال ثيودور وستيوارت أنفسهم بحذر عن حروب أوروبا الفاسدة الدينية وتلك المتعلقة بالخلافة. ومن خلال التسويات السلمية، دعمت بريطانيا نظرياً توازن القوى، لكن اهتمامها الرئيسي انصب على إنشاء امبراطورية تجارية.

وهكذا تباهى روبرت والبول في عام 1734 بوجود 50 ألفاً من الرقيق في أوروبا في ذلك العام، وليس من بينهم أي إنجليزي واحد. أما لورد جون راسل فقد حل الجيش البريطاني بعد معركة واترلو مع نابليون، وذلك لتجنب ما وصفه بـ«تحويل الأمة البحرية إلى عسكرية، أو الجزيرة الخارقة إلى دولة قارية مثيرة للشفقة».

وبعد ظهور بسمارك، انتهك المحافظون الحاكمون في العقد الأخير من القرن التاسع عشر العزلة الرائعة لبريطانيا وساروا مع التيار السائد وتجنبوا الاصطدام بالدول الأخرى.

وبكلمات أخرى، فإن أوروبا تحتاج إلى قائد يسيرها، وإذا لم تكن ميركل هي القائد، فمن يكون إذاً؟ حتماً ليس الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. إذاً هذه فرصة ذهبية لبريطانيا للإمساك بدفة القيادة في حال أنها قررت ألا تغادر السفينة المهجورة.

ومن الواضح أن بريطانيا قررت المضي قدماً في بريكست والخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكن عليها أن تنهي المفاوضات بأسرع وقت، ويجب عليها السعي لإجراء طلاق سريع من الاتحاد، أي تقديم ما عليها من التزامات، وبعدها يمكنها إلقاء نفسها بحفلة أوروبا الإنعاشية، وإقناع المجلس الوزاري الأوروبي بالدعوة لعقد مؤتمر خاص بالإصلاح.

وعندئذ قد تكون هناك بداية جديدة، وإبرام اتفاقية جديدة خاصة بدول أوروبا السيادية مستقبلاً، هذه هي الاتفاقية التي يمكن لبريطانيا أن تساعد في صياغتها والانضمام إليها فوراً.