من القصص التي لم تثر الاهتمام بشكل كاف في السنوات القليلة الماضية، القصة التي تتعلق بكيفية استخدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشرق الأوسط كمنصة وثب لعودة روسيا كقوة عالمية. وسوف يستخف الكثيرون بذلك نظراً لاقتصادها الهزيل وديمغرافيتها الفاسدة ومرجلها الذي تطبخ فيه الدسائس. لكن الأهم من ذلك أن موسكو نجحت من خلال تدخلها في سوريا على مدى عامين، في تفادي الولايات المتحدة واستعادة مقعدها في مقدمة الطاولة الجيوسياسية.
وقد تمكن بوتين من القيام بتكتيكاته الخفيفة فيما كانت شمس موسكو الإقليمية تشرق بينما كان نجم واشنطن يأفل.
وفي أوروبا، غالباً ما كانت روسيا بوتين تشاهد كقوة جارفة تبذل جهدها لتقليص هزيمة السوفييت في الحرب الباردة. وفي الشرق الأوسط، بدت كقوة أمر واقع وإن كانت قوة متقلبة، تعلمت من هزيمتها في أفغانستان أن تعتبر التحالفات والمواءمات في هذا الجزء من العالم تكتيكاً ضرورياً لا غنى عنه، مع التحول السهل في سياستها، وعدم وجود أصدقاء دائمين ولا أعداء أبديين.
لقد دخل الاتحاد السوفييتي الشرق الأوسط جيوسياسياً دعماً لإسرائيل عند إنشائها في عام 1948، وفي عام 1955، ومن خلال اندفاعها في الحرب الباردة، تحولت موسكو نحو مصر في أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبعض الأنظمة البعثية الاشتراكية في سوريا والعراق. ودربت أكثر من 55 ألف ضابط عربي في الاتحاد السوفييتي على مدى ثلاثة عقود. كما أيدت العراق بين عامي 1980-1988 في حربه مع إيران، على النقيض مما هو حاصل الآن، وكانت المستفيد الرئيس من الغزو الأنجلو أميركي المدمر للعراق في 2003.
وعادت روسيا إلى الشرق الأوسط من أوسع الأبواب، وأجج ذلك ادعاء بوتين بأن حلف «ناتو» استغل قراراً للأمم المتحدة لمنع حدوث مجزرة في ليبيا في 2011 لتغيير نظام الحكم هناك وخلع معمر القذافي.
هذا صحيح، لكن الكرملين اهتم بفعل أي شيء لاعتبار ما سمي بالربيع العربي مجرد تهديد من الغرب، وراقب بدهشة تخلي الولايات المتحدة عن حليفها في مصر الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد أسبوع من احتجاجات ميدان التحرير، ودعم الإخوان المسلمين أثناء وجودهم في السلطة. وتساءلت موسكو عما إذا كانت واشنطن تخطط لربيع روسي.
لقد بادرت روسيا بالهجوم قبل عامين، وأمرت سلاحها الجوي بإنقاذ نظام الرئيس السوري بشار الأسد، جنباً إلى جنب مع إرسال قوات برية لإنقاذ الجيش السوري المستنزف، والذي كان مدعوماً من الحرس الثوري الإيراني وميليشيا حزب الله.
وبدون تكتيكات مقيدة، فازت موسكو بالحرب في سوريا من وجهة نظرها، ولقنت واشنطن درساً في التدخل العسكري الناجح. أما تركيا فقد انتقلت للتحالف مع روسيا نتيجة لسخطها الشديد لتحالف الولايات المتحدة مع أكراد سوريا والعراق.
وربما يشعر بوتين أن هدفه قد تحقق، فانشغال الجيش الروسي في سوريا لم يكن هدفه الرئيسي دمشق أو حتى الشرق الأوسط، فقد كانت موسكو تسعى للعودة إلى الساحة العالمية كقوة عظمى.