مستقبل التحالفات في عالم متغير

اختلفت التحالفات ولم يعد أساسها الاستقطاب السياسي أو الأيديولوجي، وقامت تحالفات مختلفة جديدة تمليها علاقات المصالح والجيرة والجغرافيا وعوامل أخرى أبعد أثراً في حياة الناس من الحرب الباردة، بينما تتفكك علاقات التحالفات القديمة التي كبلت إرادات الأمم وحرياتها في الاختيار، بريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي لأنها ضاقت ذرعاً بقيود التكتل الأوروبي.

وأغلب الظن أنها لن تكون الأزمة الأخيرة، لأن عوامل التآكل والتفكك في تحالفات الزمن الماضي العقائدية باتت أقوى من عوامل الدمج والتوحد، وهذا ما حدث في معسكر الدول الشرقية قبل عقود، ويحدث الآن في تحالفات العالم الغربي.

ودلالة ذلك رحلة الملك سلمان عاهل السعودية الأخيرة إلى موسكو التي زار فيها الكرملين وتوافق فيها مع الرئيس الروسي بوتين على عدد من الاتفاقات المهمة ذات طبيعة استراتيجية، والتقى رئيس الوزراء ديمتري مدفيديف ووزير الدفاع، وأكد في جميع لقاءاته أن علاقات البلدين تنتظرها آفاق رحبة، وتعاقد على تصنيع أجزاء مهمة من شبكة الدفاع الصاروخية إس 400 المضادة للطائرات والصواريخ.

وعلى شراء شبكات دفاع صاروخية ضد الدبابات وتصنيع البندقية الآلية كلاشنكوف، فضلاً عن تعاون السعودية وروسيا المتزايد على خط اتزان سوق البترول العالمية، وتحديد حجم الإنتاج بما يحافظ على توازن المصالح بين المنتجين والمستهلكين، ويبقي على السعر العادل في حدود 50 دولاراً للبرميل، خصوصاً أن السعودية وروسيا هما أكبر المنتجين في العالم، كما لم يعد سعر البترول بفضل تعاون موسكو والرياض أداة إضرار بمصالح بعض المنتجين دون الآخرين.

وذلك يعني أن العالم يخرج من نطاق الاستقطاب إلى حالة جديدة مختلفة ترعى فيها كل دولة مصالحها الوطنية، ولا أظن أن أحداً ينكر أن مصر هي التي فتحت هذا الطريق عندما اختارت تنويع السلاح سياسة ثابتة تزداد ترسخاً وتوسعاً منذ أن تم شراء صفقة الميراج الشهيرة قبل حرب 73.

ثم جاء الرئيس عبد الفتاح السيسى ليجعل من هذا النهج سياساته الثابتة في المجالين العسكري والاقتصادي، وفق مبدأ مراعاة المصالح الوطنية أولاً، ليصل الأمر إلى حد الشراكة مع فرنسا والصين وروسيا والولايات المتحدة في مجالات بعينها، في إطار الالتزام بالمصالح الوطنية وحماية الإرادة واستقلال القرار.

وها هي السعودية أهم حليف للغرب تنوع سلاحها وفق مصالحها الوطنية، وتؤكد استعدادها لبناء علاقات مع الروس من دون أي قيود أيديولوجية، لأن الأيديولوجية سقطت من اعتبارات السياسة بسقوط الماركسية وسقوط حائط برلين، ولأن العالم خرج من حالة الاستقطاب الشديد التي جاءت مع الحرب الباردة إلى نطاق أرحب من التعاون الدولي يتوافق مع طبيعة مشكلات عصرنا الراهن.

الاتحاد الأوروبي يعاني كل يوم أزمة جديدة مع الولايات المتحدة، آخرها أزمة الاتفاق النووي الإيراني، الذي تراه فرنسا وألمانيا وإنجلترا في مصلحة أمن العالم وأحد عوامل خفض السباق النووي في الشرق الأوسط، بينما تراه إدارة الرئيس الأميركي ترامب في غير مصلحة الأمن الأميركي لأنه أعطى لإيران فرصة أن تمدد نفوذها في الشرق الأوسط وأن تكون ضمن القوى التي تخرب الاستقرار والأمن في المنطقة.

وثمة أزمة كبيرة تنتظر العلاقات الأوروبية الأميركية بسبب هذا الاتفاق، ورغم حملته على الاتفاق النووي الإيراني التي بدأت منذ حملته الانتخابية، ورغم إعلانه المبكر عزمه على إلغاء الاتفاق الذي يراه ضاراً بأمن الولايات المتحدة، لم ينجح الرئيس الأميركي ترامب في إلغاء الاتفاق عندما واتته الفرصة، وإن كان قد تمكن من أن ينقل إلى الكونغرس المنقسم على نفسه سلطة إنهائه!

الرئيس ترامب طلب إلى الكونغرس إعادة التفاوض على بعض بنود الاتفاق بما يجعله أكثر قدرة على منع إيران من صنع سلاح نووي فترة زمنية أطول، وإضافة شروط جديدة تمنع طهران من مساندة منظمات الإرهاب في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها «حزب الله» و»القاعدة» و»حماس» و»طالبان»، وتلزمها وقف تجاربها الصاروخية بعد أن نجحت إيران أخيراً في إطلاق صاروخ يصل مداه إلى أكثر من ألفي ميل، لكن الرئيس ترامب هدد بإلغاء الاتفاق إذا لم تمتثل طهران لكل هذه الشروط وتقبل إعادة التفاوض!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات