بعد أن انتهكت المادة 155 من تشريعاتها القانونية، حلت الحكومة الإسبانية البرلمان الكتالوني، وأقصت رئيس الحكومة كارلس بويغدمونت ووزراءه، ودعت إلى إجراء انتخابات إقليمية في 21 ديسمبر المقبل.

كما تم إقصاء رئيس شرطة كاتالونيا موسو ديسكوادرا على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا قواته البالغ عددها 17 ألفاً، ستتلقى أوامرها من مدريد أم لا.

وهذه الخطوة من مجلس الشيوخ الإسباني للسيطرة على تلك المنطقة التي تخضع لحكم ذاتي، والتي تشمل قوات الأمن ووسائل الإعلام والبنوك والمراكز المالية، تسببت في فقدان الإقليم لحكمه الذاتي، ولا أحد يعرف ماذا سيحدث لو فازت الأحزاب المستقلة بالانتخابات مجدداً.

ويتصرف الجانبان السياسيان الإسباني والكاتالوني مثل صبية المدارس المشاغبين، ولا يريان أو يستمعان لآراء الآخرين، بل لوجهات نظرهما.

ومضى رئيس الوزراء الكاتالوني قدماً في خططه بشأن الاستقلال، متجاهلاً رأي نحو نصف السكان الذين يعارضون الاستقلال، وفي الاستفتاء الذي جرى في مطلع أكتوبر، أيد 90% من الناخبين الاستقلال، لكن نسبة الإقبال على التصويت لم تبلغ سوى 43%، مع بقاء الأغلبية العظمى من السكان الذين يعارضون الاستقلال في منازلهم.

وقد تجاهل بويغدمونت آراء أحزاب المعارضة، كما أن رؤيته بشأن إقامة جمهورية مستقلة تجاهلت آراء نصف السكان تقريباً.

وعلى الرغم من محاولته الحصول على دعم الاتحاد الأوروبي، إلا أن العديد من الدول، بما فيها بريطانيا، وفرنسا والولايات المتحدة وحتى أسكوتلندا، الدولة الصديقة لكاتالونيا، رفضت الاعتراف بالجمهورية الكاتالونية الجديدة.

ولم يبد بويغدمونت اهتماماً بقرار أكثر من 1500 شركة، التي تتراوح بين أضخم البنوك في كاتالونيا وبعض الشركات الشهيرة المنتجة للمشروبات، بنقل مقارها من المنطقة بحجة الوضع السياسي المضطرب.

من جهته، تجاهل رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي تماماً الأزمة المتفاقمة في كاتالونيا، والمظالم المشروعة التي يواجهها الكثير من سكانها. ولا يمكن تجاهل آراء أكثر من مليوني كاتالوني، لكن راخوي تجاهلهم على ما يبدو.

ما الذي يأمل رئيس الوزراء الإسباني بتحقيقه من خلال دعوته إلى إجراء انتخابات إقليمية أواخر ديسمبر المقبل؟ مما لا شك فيه أنه يأمل بفوز الأحزاب المناهضة للاستقلال، مثل حزب يمين الوسط سيوتادانز، الحزب الاشتراكي وحزبه الشعبي المحافظ، لكن لا توجد ضمانات مؤكدة بالفوز.

ولم يكن رد فعل راخوي متناسبا مع حدث الاستفتاء، وربما يدفع ذلك سكان كاتالونيا المحاصرين نحو قضية استقلالهم بصورة أكبر.

ويبدو أن أزمة كاتالونيا تعرضت للاستقطاب الشديد، لكن هناك أصوات دعت منذ البداية لحل بديل.

فعمدة برشلونة اليسارية أدا كولاو أبدت رد فعل على الاستفتاء من خلال تعليق لها على فيسبوك، لم تكتف من خلاله بوصف الاستفتاء بأنه انتهاك للمادة 155 من القانون، بل وصفته أيضا: بضربة للديمقراطية، متهمة الحكومة الكاتالونية بأنها تسعى فقط نحو مصالح حزبية توجت بإعلان استقلال كاتالونيا، على الرغم من عدم حصولها على رأي أغلبية الكاتالونيين.

ودعت كولاو للحوار وتغليب المنطق والتوصل إلى حل متفق عليه ويرضي الطرفين مع الحكومة الإسبانية، مضيفة: " لا أدعو ذلك باسمي ولا باسم المادة 155، ولا باسم إعلان الاستقلال من جانب واحد".

وقد امتدح الإسبان كالاو ونظيرتها عمدة مدريد مانويلا كارمينا، على نطاق واسع ، عندما ظهرتا قبل الاستفتاء بأيام قليلة على شاشة التلفزيون الإسباني، حيث ناقشتا موضوع كاتالونيا بهدوء ، وقد لجأ العديد منهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي لامتداح مصداقيتهما وحسهما السليم.

ومن غير المرجح أن تؤدي دعوة راخوي لإجراء انتخابات أخرى إلى تهدئة الوضع، فأكثر من مليوني كاتالوني لن يغيروا وجهة نظرهم بشأن تأييد الاستقلال مهما كانت النتائج.

وربما لو أبدى بويغدمونت وراخوي رغبة أكبر للإنصات إلى وجهة نظر المعارضة، ووجهة نظر كل منهما، فإن إسبانيا لم تكن ستواجه هذه الأزمة.