ساد الارتباك عقب الانتخابات النمساوية التي أجريت مؤخراً، حيث أظهرت النتائج فوز حزب الشعب النمساوي بأعلى نسبة من الأصوات، تلاه حزب النمسا الاجتماعي الديمقراطي، ثم حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف الذي حصل على نسبة متقاربة. وبدا في البداية أن حزب الحرية سيأتي في المرتبة الثانية، لكن عمليات التصويت التي تمت عبر البريد دفعت بالنتائج إلى اتجاه آخر.

ويبدو واضحاً أن سباستيان كورز، الذي لا يزيد عمره على 31 عاماً، المنتمي لحزب الشعب النمساوي، قد قاد حزبه إلى الفوز في الانتخابات، ويتعين على الحكومة أن تلجأ للتحالف، وسيكون هذا التحالف مائلاً نحو اليمين المتطرف.

وكوني مواطنة نمساوية تنحدر عائلتها من ليبيا، أجد أن هذه النتائج مزعجة إلى حد ما، وهي تذكرني بنتائج استفتاء "بريكسيت"، وتشعرني كأن النمسا رفضت بقائي مع أنني نشأت وترعرعت فيها، برغم إقامتي في بريطانيا الآن.

وعلى الرغم من أن النمسا بلد صغير، إلا أنه لا يمكننا تجاهل أهميتها التاريخية في تحديد الاتجاهات السياسية في أوروبا. وهكذا تلقينا هذه النتيجة الحتمية التي لا مفر منها بشأن فوز تحالف الجناح اليميني، ما لم ينجح الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي برئيسه الحالي كريستيان كيرن بالتفاوض على صفقة غير متوقعة للانضمام إلى الائتلاف الحكومي، نظراً للحملات الانتخابية الفاضحة التي نظمتها الأحزاب كافة.

وقد أدار كيرز حملته الانتخابية كونه وجهاً جديداً وسياسياً مفعوماً بالنشاط لم تلوثه سنوات بقائه في المؤسسة السياسة أو تـُعرضه للفساد. وهذا ما يطلق عليه «التأثير الماكروني» في إشارة إلى الرئيس الفرنسي الحالي، مع ميل بسيط نحو «التأثير الترامبي».

وسيكون كيرز أصغر مستشار في النمسا، وأصغر زعيم عالمي، ولكن لا يتعين علينا التغاضي عن تاريخه البسيط والمهم التركيز على خبرته في المضمار السياسي.

وقد أصبح وزير خارجية النمسا في سن السابعة والعشرين، ولعب دوراً مهماً في إغلاق طرق المهاجرين عبر النمسا. وقد تركز جزء كبير من حملته الانتخابية على المشاعر المضادة للمهاجرين، لكن المسألة المثيرة للخوف هي الحصة الكبيرة في التصويت التي حصل عليها حزب الحرية النمساوي المتطرف بمرشحه المثير للجدل هينز- كريستيان ستارتشي.

وقد أثار الحزب لغطاً كبيراً في البلاد عندما وصل زعماؤه إلى الجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية بمرشحهم اليميني المتطرف نوربرت هوفر، حيث أوشك تقريباً على الفوز وأن يصبح أول رئيس يميني في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وقد تنفسنا الصعداء حينما فشل في ذلك، ولكننا ندرك أن الوقت لم يحن بعد للشعور بالرضا.

وأتمنى أن تتوقف وسائل الإعلام عن وصف هذا الحزب بالشعبوي اليميني المتطرف، بل يتعين أن يوصف على حقيقته، فهو منظمة عنصرية وحشية تفترس أكثر الناس ضعفاً في المجتمع تحت ستار الوطنية. ولا يمكن لأحد إنكار ذلك.

وفي عصرنا الرقمي، يشعر المرء بأن شبكة الإنترنت قد أسهمت بالانقسام بشكل كبير، فهل يتعين علينا فعل أي شيء للتواصل مع الأصوات المحرومة مجدداً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ونحاول التحدث مع هؤلاء الناس الذين نختلط بهم عادة وجهاً لوجه؟ وهل يجب أن نحاول معالجة الاستقطاب في وجهات النظر التي أراها الآن في كل مكان، وهي تنعكس في السياسات النمساوية؟

بالنسبة لي فإن الانتخابات النمساوية تعتبر نقطة تحول، ولم تبق أي من المسائل المثارة أكاديمية بحتة، بل ولم ألتق قط أياً من مؤيدي حزب الحرية اليميني المتطرف، على الرغم من حقيقة أنهم يشكلون ربع الشعب النمساوي.

وإذا كان الحال كذلك في حال تقسيم أنفسنا إلى قطاعات مختلفة، إذا يجب أن نستعد لتحمل المسؤولية، وأن نحمل غصن الزيتون كوننا أعضاء في المؤسسة النمساوية يحظون بوعي اجتماعي ذاتي. لو كان بإمكاننا فتح حوار مع مؤيدي حزب الحرية، عندئذ سنرحب بإجراء نقاش بنـّاء معهم، طالما يمكنهم استغلال الوقت لمعرفة موقفنا أيضاً.