التحولات الفكرية أسبابها وآثارها

الإنسان كائن اجتماعي مُعقَّد، يؤثِّر ويتأثَّر، ويغيِّر ويتغيَّر، نتيجة أسباب كثيرة، ومن مجالات التغير التحولات الفكرية، من اعتدال إلى تشدد، أو من تشدد إلى اعتدال، ومن منظومة متزنة من الآراء القائمة على منهجية علمية، إلى آراء مبعثرة قائمة على الاضطراب والانتقاء بالتشهي، ومن انفتاح منضبط على الآراء وتحري الرأي الصحيح، إلى تعصب أعمى والتكبر على الآخرين ورفض آرائهم من دون برهان.

ومن السمات التي تميز العلماء الأفذاذ في مختلف الميادين: المنهجية العلمية في اختيار الآراء، وفق أصول وقواعد منضبطة، تحرياً للرأي الصحيح، مبتعدين عن أمرين سلبيين: الأول: الجمود على الرأي والتعصب له، فإذا ظهر لأحدهما دليل مخالف لقوله آثر الدليل على رأيه، والثاني: التنقل بين الآراء من دون منهجية علمية، مما يؤدي إلى الاضطراب والفوضى، وتقلُّ ثقة الناس برأي الشخص، والاستنارة باختياراته، بينما تجد العلماء متمهلين، يدرسون الأمور بعناية، وقد يستغرق أحدهم مدة من الزمن دراسة وتمحيصاً حتى يطمئن لحسن اختياره.

فالمنهجية العلمية ذات أهمية كبرى في ميدان الرأي والفكر، صيانة له من الفوضى والآراء الشاذة والمتطرفة، وحفظاً له من الجمود والانغلاق والتعصب للآراء الشخصية على حساب العلم والحجة، وذلك يسري على مختلف المجالات والميادين، فلا نجاح في أي ميدان إلا على ضوء المقاييس العلمية الصحيحة، سواء في الميدان الديني بالاستنارة بالعلم الشرعي الصحيح وأهله، أو في الميادين الحياتية بالاستنارة بالعلوم والتقنيات المفيدة والمختصين.

وإذا نظرنا فيمن نحوا منحى التطرف نجد الخلل عندهم في عدم مراعاة المنهجية العلمية الصحيحة، إما بسبب تأثر الشخص بما يسمى بالشبهات، وهو اعتقاد ما ليس بدليل دليلاً، وهذا الخلط بسبب ضعف حصيلته العلمية المقرون بتعاليه وجرأته وضعف الوازع الديني لديه، فهو يخوض في استخراج الأحكام الشرعية من دون أهلية، ومن دون استنارة بأقوال علماء الأمة وأئمتها، فهو جاهل بأصول الاستنباط، من ردِّ العام للخاص، والمطلق للمقيَّد، والمجمل للمبيَّن، والمتشابَه للمحكَم، فيأتي مثلاً إلى قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، فيعتنق الفكر التكفيري معتقداً أن كل من خالف حكم الله فهو كافر، جاهلاً بأن هذه الآية مقيَّدةٌ بنصوص أخرى، مثل قوله تعالى: {إن اللّه لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وأحاديث الشفاعة، ونصوص شرعية أخرى تبين المفهوم الصحيح للآية، ومتجاهلاً النصوص الشرعية التي تحذر من التكفير الجائر، وقس على ذلك سائر الشبهات، التي يحتج فيها صاحبها بنص شرعي، ويقطعه عما يوضح معناه الصحيح من النصوص الشرعية الأخرى.

ومن أسباب التحولات الفكرية السلبية التأثر العاطفي، فلا يلتفت الشخص إلى صوت العلم والعقل، بل ينساق وراء عاطفة جامحة، بسبب تأثر بموقف أو مشهد أو خبر أو شائعة، ويبني على عاطفته هذه رأياً متطرفاً، وإذا ذُكِّر بالدليل العلمي المفنِّد لرأيه سرد كلاماً عاطفياً خالياً من الحجة والمنطق، فالعاطفة عنده فوق العلم، ومن آثار ذلك على الشخص فقدان الحكمة، والجنوح إلى التهور، فيرتكب المفسدة الكبرى لدرء المفسدة الصغرى، ويعمل على تحقيق مصلحة قاصرة تترتب عليها مفسدة أكبر، ويدَّعي الانتصار للإسلام وهو يشوهه ويسيئ إليه وينسب إليه الوحشية والدموية وينفِّر الناس منه!!

ومن جملة المؤثرات العاطفية الشعور بعقدة النقص، فقد يظهر هذا عند المتطرف، فيشعر بأنه منبوذ، فيعادي المجتمع، وينعزل عنه، بدلاً من أن يصحح اتجاهه، وقد تُخفي عقدة النقص وراءها عقدة الاستعلاء، فيرى نفسه أفضل من غيره، بل قد يكفر مجتمعه ويحصر الإسلام بنفسه وحزبه، ومما يُروى أن رجلين من الخوارج طافا بالبيت الحرام، فقال أحدهما لصاحبه: لا يدخل الجنة من هذا الخلق غيري وغيرك! فقال له صاحبه: جنة عرضها كعرض السماء والأرض بُنيت لي ولك؟! قال: نعم، فقال: هي لك، وترك رأيه، وقد تؤثِّر عقدة النقص على الشخص بصورة معاكسة، فينبهر مثلاً بتفوق بعض المجتمعات، ويشعر بالدونية عندما يقارن بينها وبين مجتمعه، فيظن أن الخلل في الدين، فينتقل من مغالٍ في الدين إلى معادٍ له، أو يظن الخلل في العادات والتقاليد، فيعاديها.

ومن أسباب التحولات السلبية أيضاً المصالح الشخصية، فترى الشخص ينتقل من تيار فكري إلى تيار آخر، فإذا لم يجد في هذا التيار مصلحته انتقل إلى غيره، ويأتي هذا بلسان وهذا بلسان، ومعياره الوحيد المنفعة الشخصية.

ومن أسباب التحولات الفكرية السلبية أيضاً المؤثر البشري، كأصدقاء السوء ودعاة الفتنة، ولا يقتصر ذلك على العالم الواقعي، بل يتعدى إلى العالم الافتراضي، وما تضخه شبكات التواصل الاجتماعي، فقد يكون الشاب انطوائياً منعزلاً، غير أنه غارق في العالم الافتراضي، يتلقَّف السموم الفكرية من دعاة الشر وصائدي العقول، وهنا يأتي دور الأسرة في متابعة الأولاد، واحتضانهم واحتوائهم وكسر عزلتهم بالجلسات العائلية، والاستماع إلى آرائهم، لتأييد الصحيح منها، وتصويب الخاطئ، وبناء العقلية السليمة والفكر السوي.

وفي مقابل التحولات الفكرية السلبية هناك التحولات الإيجابية، بأن ينتقل الشخص من الخطأ إلى الصواب، ومن الرأي الضعيف إلى القوي، ومن الحسن إلى الأحسن، مستمعاً إلى صوت العلم، يدرس المسائل والقضايا بعناية، ويستشير ليستنير، فيكون في رقي مستمر، معتدلاً في آرائه، متزناً في اختياراته، متثبِّتاً غير متعجل، حكيماً غير متهور، ليكون منارة مشرقة في آرائه المستنيرة، وقدوة في حسن نظره ودقة اختياراته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات