حسمت ألمانيا قرارها في صناديق الاقتراع وأعادت إلى منصب المستشارية أنجيلا ميركل التي تتأهب اليوم لتأليف حكومة جديدة. إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تترأسه تلقى ضربة موجعة، إذ لم يحصد مع الحزب الشقيق أي الاتحاد الاجتماعي المسيحي سوى 246 مقعداً مقارنة بـ 309 كان يسيطر عليها برلمانياً قبل الانتخابات.
وتتمثل المحصلة الأكثر دراماتيكية مع ذلك، في الدخول غير المسبوق لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتشدد، علماً أن تفريغ مركز الثقل السياسي الألماني قد تتبدى له عواقب وخيمة.
لم ينل الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني اليساري الوسطي بزعامة مارتن شولتز، الخصم الأساسي لميركل سوى 20.5 بالمئة من الأصوات، في نتيجة هي الأسوأ له منذ العام 1945. وقد وصف شولتز الانتخابات بـ «اليوم المرير» متعهداً أن يقود حزبه في التيار المعارض.
وتقف ميركل اليوم أمام خيارين مستحدثين لا ثالث لهما، فإما تسعى لتشكيل حكومة أقليات، أو تحاول بناء ائتلاف يضم مجموعتين صغيرتين من الخضر والحزب الديمقراطي الليبرالي الحر ألمانيا الذي سجل عودة إلى البرلمان بعد غياب أربع سنوات.
وتنتظر الحزب الديمقراطي الاشتراكي خيارات لا تقل صعوبة كذلك، إذ وجد نفسه بعد سنوات أمضاها في موقع الوسطية ضمن التحالف الأكبر، يواجه اليوم حقيقة تخلي عدد من العمال عنه كحزب لطالما عرف بحزب العمال. وعلى الرغم من أن جنوحه إلى اليسار قد يشكل جزءاً من الحلّ، فإنه لن يضمن بالضرورة بقاءه.
ومن المؤكد أن أداء الناخبين قد ألقى بثقله على الحزب الديمقراطي الاشتراكي، الذي أخفق للمرة الثالثة في محاولاته للوقوف بوجه ميركل، لتشكل انتخابات العام 2017 جزءاً من تيار الإخفاقات تناقض إلى حدٍّ بعيد تحقيق الحزب أيام هلموت شميدت، وويلي برانت، وغيرهارد شرودر انتصارات كاسحة.
وخلافاً لغالبية الناخبين الذين نظروا إلى الحملات الانتخابية بعدم اكتراث، فقد اعتبرها الديمقراطيون الاشتراكيون تجربة محفوفة بالتغيرات السريعة والآمال المتجددة.
وقد اختبر الحزب بعد ترشح شولتز لمنصب المستشار الألماني في يناير الماضي موجة من الشهرة، مدفوعة بحماسة التأييد الأوروبي، المواجه بجانب منه النزعات القومية التي أعقبت وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض، وبروز الشعبوية اليمينية في أوروبا. واحتل الديمقراطيون بالفعل المراتب الأولى في الاستفتاءات التي جرت في فبراير المنصرم واحتفوا باهتمام جماهيري لم يختبروه لسنوات.
اتخذت قيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي، في أعقاب النتائج الكارثية للانتخابات الألمانية الأخيرة، القرار بالخروج من معادلة الائتلاف وتبني خط المعارضة، في خطوة تلت مباشرةً أولى ملامح ظهور النتائج. وأرفقت مع تعهد شولتز «بالتركيز كلياً على تجديد الحزب».
وتبرز دوافع مجدية في الذهاب باتجاه صفوف المعارضة، حيث إن التحالفات الوسطية المتتالية من شأنها أن تقوي الأحزاب وتوحدها حول الخلافات السياسية، لأنها تؤدي بالناخبين إلى الاعتقاد بأن التمايز بين الأحزاب السائدة ليس إلا ظاهرياً.
ويوضح نجاح حزب البديل من أجل ألمانيا تلك النزعة، تماماً كما يفعل بروز حزب الحرية اليميني في النمسا، التي تحكمها التحالفات الكبرى منذ عقود. ويمكن للديمقراطيين الاشتراكيين، من موقعهم في صفوف المعارضة أن يحاولوا رأب الصدع الأيديولوجي القائم بينهم وبين الحزب اليساري الألماني.
ويبقى مع ذلك الارتياب سيد الموقف، سيما أن الأحزاب الوسطية الألمانية على امتداد أوروبا قد أُبعدت من السلطة لتغدو أكثر تهميشاً في موقعها المعارض. وقد فشلت معظمها في إعادة استقطاب الدعم منذ خروجها من السلطة وسارت في طريق الاحتجاب.
ويتبدى في هذا السياق، مبدأ إمكانية استعادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي للقوة بمجرد انسحابه من المعارضة فكرة بغاية التفاؤل. وقد تسهم هذه الخطوة في الواقع، في تبديل المواقع من هامش إلى آخر، وتستعيض بدور الشريك الناشئ في الحكومة بآخر يقتصر على النقد المعتدل من باب المعارضة.
وقد أعلن ألكسندر غولاند، زعيم حزب البديل لأجل ألمانيا عقب نتائج الانتخابات بأن حزبه «سيتعقب ميركل ويستعيد البلاد من قبضتها»، في حين تعهدت سارة واجنيخت، زعيمة الحزب اليساري بأن تكون «القائدة الاشتراكية للمعارضة».
وقد يجد الديمقراطيون الاشتراكيون في ظل هذه الأصوات وقد أحيلوا لأداء دور المعارضة الموالية، المكافحة للحصول على الاهتمام والأهمية. وقد يثبت هذا الخيار ضرره على طموحاتهم الانتخابية بقدر ما تفعل عضويتهم في حكومة الائتلاف الأكبر.
* محلل في مؤسسة فريدريك إيبرت ستفتونغ
