التعصّب والعنصرية.. وحقوق الآخرين

برغم كفاح البشرية الطويل سعياً إلى إقرار الحقوق المدنية للأفراد والمجتمعات على قاعدة المساواة التي بزغت مع الثورة الفرنسية باعتبارها واحداً من أهم حقوق الإنسان، واندحار سيطرة الرجل الأبيض بنهاية عصر العبيد في أتون الحرب الأهلية التي خاضتها هذه المجتمعات.

وتوثيق حقوق الإنسان في العدل والمساواة في اتفاقات ومعاهدات ووثائق وطنية ودولية وعالمية، لا تزال بذور الكراهية العنصرية كامنة في كثير من مجتمعات الغرب خاصة الولايات المتحدة، تغذي خطاباً عنصرياً يقوم على الكراهية ورفض التعايش مع الآخر وإنكار حقوقه، تحتضنه جماعات عنصرية عديدة يعاودها الحنين إلى عصر سيطرة الرجل الأبيض، تحت ذرائع الخوف والقلق على مستقبل الحضارة الإنسانية.

ومنذ أن انفجرت في الفترة الأخيرة حوادث مدينة تشارلو تسيفل العنصرية في ولاية فرجينيا الأميركية التي راح ضحيتها سيدة صغيرة السن و19 جريحاً بعد اشتباكات عنيفة بين أنصار الجماعات العنصرية من كوكس كلان إلى النازيين الجدد، وجماعات أخرى من أنصار الحقوق المدنية تعارضها، والتوتر العنصري يتأجج ويزداد خطورة في جميع أنحاء الولايات المتحدة يكاد يقسمه ليزيد من غضب غالبية الأميركيين على الرئيس ترامب الذي انهارت شعبيته إلى حدود 36 في المئة.

ويواجه أكبر أزمة داخلية، تتهمه بالتعاطف مع العنصريين الذين يشكلون أغلب جمهوره الانتخابي، وبأنه يشكل واحداً من أهم أسباب صعود التيار اليميني المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا، وأنه تأخر كثيراً في إدانة أحداث العنف العنصري، وسعى في البداية إلى أن يأخذ موقفاً وسطاً قبل أن يدين الأحداث العنصرية ويعتبرها موقفاً شراً.

وهو الأمر الذي تكرر مرة أخرى في مدينة بوسطن بعد أسبوع من أحداث فرجينيا، إثر مظاهرة ثانية للعنصريين تجمعت في حديقة المدينة، تدافع عن حق الجماعات العنصرية.

كوكس كلان والنازيون الجدد، في حرية التعبير! واجهتها مظاهرة ضخمة شارك فيها أربعون ألفاً خرجت إلى شوارع المدينة تعلن رفضها عودة العنصرية إلى أميركا، وتدافع عن حق السود والملونين في تعايش آمن على قاعدة المساواة في الحقوق المدنية للجميع.

والسؤال الآن، هل أصبحت أميركا أكثر عنصرية تحت حكم الرئيس ترامب الذي لم يكمل بعد عامه الأول في الحكم؟ هذا هو السؤال الذي يسأله الأميركيون لأنفسهم بعد تراجيديا الأحداث في مدينة «شارلوتسفيل» وظهور تطرف الجماعات العنصرية التي اشتهرت منذ زمن بإحراق منازل السود الأميركيين، لقد أثار الحادث غضب الأميركيين المنقسمين على أنفسهم ما بين أقلية سوداء وملونة يكاد يصل عددها الآن إلى 40 في المئة من سكان الولايات المتحدة.

وأغلبية بيضاء يساورها الخوف والقلق على مستقبلها ومستقبل أميركا البيضاء مع تزايد الهجرة وقلة فرص العمل التي يذهب أغلبها للمهاجرين والملونين الذين يقبلون أجوراً أقل، بما أعطى الفرصة لجماعات عنصرية من البيض من أمثال «كوكس كلان» و«النازيين الجدد».

ومكنهم من اختراق مجموعات واسعة من الشباب البيض معظمهم لم يحصلوا على شهادات عالية وينتمون للطبقة الوسطى الضعيفة ويعانون البطالة، ويشكل جمهورهم القوة الانتخابية الأكثر وضوحاً في معسكر الرئيس ترامب وقت ترشحه لانتخابات الرئاسة قبل ستة أشهر!

لكن النخبة المعادية لتوجهات ترامب ترى في الأحداث الأخيرة فرصة يمكن أن تساعدهم على التخلص من حكم «ترامب» أو التخلص من أقطاب أقصى اليمين داخل البيت الأبيض الذين يمثلهم كبير مستشاري «ترامب» «ستيفين فانون» ويسوقون قائمة طويلة من أقوال «ترامب» وتصرفاته تدل على عمق عنصريته، ابتداءً من حملته الشديدة على الرئيس السابق «أوباما» التي أنكرت عليه جنسيته الأميركية .

وتساءلت عن شهادة ميلاده إلى تغريدته الشهيرة على تويتر بأن أميركا ((لن يحكمها لأجيال طويلة قادته رئيس أسود))، إلى تأخره عن الحديث عن أحداث «شارلو تسفيل» ثلاثة أيام بأكملها، لكن الثابت من احتدام العراك السياسي في أميركا بعد هذه الأحداث أن أميركا تتغير وربما تكون نقطة تحول مهمة في تاريخ الولايات المتحدة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات