لم تأسر أنغيلا ميركل التي لا تتمتع بكاريزما، والبالغة من العمر 63 عاماً من ألمانيا الشرقية، قلوب الألمان ربما، لكنها ناشدت عقولهم بقوة، بحيث إن الناخبين لم يجدوا سبباً لإحلال شخص آخر مكانها.
وقد تغيرت ألمانيا بطريقة جوهرية تحت إشرافها. وقد قال مستشارها السابق، نيكولاس ماير-لاندروت منذ سنتين، وفقاً لمجلة دير شبيغل: «اليوم فيما يتعلق بقضايا اليورو، تجد ألمانيا نفسها في موقف مختلف. وينبغي عليها الآن أن تفرض سياسة (من التقشف) تُعتبر متطرفة من قبل شركائها. وهذا من شأنه أن يغير التصورات في البلاد بشكل لا يمكن تجنبه.
ليست كلمتا»فرض«و»تطرف«بين الكلمات التي ترغب ألمانيا في أن ترتبط بها، وميركل نفسها لن تستخدم أبداً هاتين الكلمتين في العلن، لكن ماير-لاندروت كان يقول الحقيقة. ألمانيا هي زعيمة أوروبا.
واقع أن كلمة زعيم بالألمانية تعني»فوهرر«يعد سبباً رئيسياً وراء هذه الحساسيات. فالأهوال التي سببها أدولف هتلر والنازيين في أوروبا، تبقى مغروسة بعمق في الوعي العالمي. كما أن شعار النازية»الصليب المعقوف«الذي عرض خلال مسيرة النازيين الجدد في منتصف أغسطس في مدينة تشارلوت فيل بفرجينيا آثار المزيد من مشاعر الاشمئزاز أكثر من أي رموز أخرى.
لكن البلاد التي انتجت»الفوهرر«والحزب النازي تبنت الممارسات الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل أكثر إقناعاً من كثيرين غيرها، وبالتأكيد من دول أخرى كانت متحالفة مع ألمانيا النازية. منذ الحرب العالمية الثانية، سعت حكومات ألمانية متعاقبة لتصبح نموذجاً من السلوك المدني وبشكل أكبر تجاه جيرانها الأوروبيين.
وكان يتوجب على الألمان ما بعد الحرب تعلم»ببطء وبشكل مؤلم وليس بالكامل دائماً«الثقة بأنفسهم، يكتب المؤلف يان بوروما في كتابه»أجور الذنب«عن كيفية التعامل مع عبء وصمة العار النازية. وقد اكتسبت تلك الثقة بالنفس نضجاً استباقياً أكثر انفتاحاً، وهو المتوقع استمرارها دون منازع مع فوز ميركل.
ومن المقرر أن تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، فيما السياسة الإيطالية المحمومة وضعفها الاقتصادي الحالي يبعدها من تبوء مسؤولية أكبر في الاتحاد الأوروبي، أما البلدان متوسطة الحجم مثل إسبانيا، التي تجرجر أذيالها من الركود، وبولندا المعادية سياسياً لكثير مما يمثله الاتحاد الأوروبي حتى مع تمتعها بأكبر مخصصات من الأموال منه، يمكنها فقط اتباع، وإن على مضض، القاطرة الألمانية.
في فرنسا، حيث يحاول ماكرون إعادة إحياء المحور الفرنسي الألماني لقوة الاتحاد الأوروبي، بلغ الرئيس الفرنسي من جانب ميركل أنها لن تؤيد خطط تكامله الطموحة بشأن تكامل الاتحاد الأوروبي إلى أن يتمكن من تنفيذ الإصلاحات المثيرة للجدل في الداخل.
النقاش في 3 سبتمبر بين المرشحين، المستشارة ميركل والمرشح الاشتراكي الديمقراطي في يسار الوسط مارتن شولتز كان»مهذباً وودياً«من دون العاصفة العاطفية في أماكن أخرى في أوروبا. ويعود هذا، في جانب منه، إلى أن الحزبين قد يشكلان مجدداً حكومة ائتلافية كانا قد تعاونا فيها، دون أي تشنجات واضحة، على مدى السنوات الأربع الماضية.
وفي جانب آخر، يشير إلى ما قاله مدير مؤسسة ماكس بلانك، ولفغانغ ستريك، من إن الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي التابع لميركل شكلا»حزب وحدة وطنية وسطي، حيث إن الحزبين السابقين حُلا بشكل سلمي".
ويقبل الشركاء الأوروبيون لألمانيا الآن بقدرة برلين على وضع التوجه الرئيسي للاتحاد الأوروبي وفرضه، حتى لو لم يكونوا معجبين بالسياسات. وكان الوزراء الإيطاليون الذين شاهدوا نمواً بسيطاً، لكن المثقلين بديون ثقيلة، يتذمرون طويلاً وبصوت عال من التقشف الذي فرضته ألمانيا، بتأثير لا يذكر.
وكانت الشخصية المركزية في هذا الأمر وزير المالية الألماني، وولفغانغ شوبل، الذي حصل على شعبية في الداخل، قلما حصل عليها وزراء المالية، في إصراره على أن دول الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا واليونان وإيطاليا وإسبانيا يجب أن تعزز وضعها من خلال اتباع المثال الألماني في خفض الديون وتحسين الإنتاجية وإصلاح أنظمة العمال.
وقد بحث إمكانية تعليق عضوية اليونان التي ما زالت تعاني من منطقة اليورو. ولا توافق ميركل على ذلك، لكن شعبية شوبل قد تعني أنه سيبقى في وزارة المالية، إذا فازت ميركل بالانتخابات الفيدرالية هذا الشهر.
ألمانيا لا تتحمل طبعاً المسؤولية الواسعة لزعامتها وحدها، وهي حريصة في الحصول على دعم شمالي عند العراك مع الزملاء الجنوبيين المتمردين. إنه النجم الشمالي الذي يثق بنفسه، كما كتب بوروما. ومن خلال ذلك، وجدت الزعامة الثقة، وأظهرت بأن لديها القدرة.
لكن بينما قد تكون البلاد قد جنت أكاليل الغار في غضون الـ70 عاماً الماضية، منذ دفن النازية تحت أنقاض برلين، فإن هذا لا يعني أن إعادة انتخاب ميركل ستحقق أوروبا المتكاملة التي تريدها.