سوريا عند مفترق الطرق

ربما يكون أكبر شاهد على أن سوريا تخرج بالفعل من محنتها أن حالة التهدئة الراهنة سوف تؤدي إلى إنهاء الحرب الأهلية، بدءاً بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بعد سنوات ذل ومشقة في المهجر الأوروبي الذي ضاق بهم ذرعاً وأغلق أبوابه في وجوههم، باستثناء المستشارة الألمانية ميركل التي لم تخف رغبتها في الترحيب باللاجئين السوريين.

وفقدت الكثير من شعبيتها لقاء هذا الموقف، رغم إعلانها الدوافع بأنها ترحب بالسوريين لتغطية نقص فادح في العمالة الألمانية!..

أصبحت الهجرة السورية عبئاً ثقيلاً على دول الجوار، خاصة لبنان التي يعيش فيها أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ، تعرضوا لحملة كراهية شديدة من بعض قادة لبنان وفي مقدمتهم سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية الذي هدد بترحيل اللاجئين السوريين إلى الأمم المتحدة قسراً، إن لم تسارع المنظمة الدولية بإيجاد حل للمشكلة تخفف العبء الثقيل عن لبنان.

ولا تزال تركيا البلد الذي استقبل أكبر عدد من اللاجئين (نحو ثلاثة ملايين لاجئ)، نجح الرئيس رجب طيب إردوغان في استثمارهم ليتكسب أكثر من أربعة ملايين يورو مكافأة له من الاتحاد الأوروبي، لأنه أغلق حدوده في وجه السوريين الذين يريدون الهجرة إلى أوروبا عبر البلقان وبحر إيجه!

جاء التبدل الواضح في سياسات واشنطن بعد وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض الذي أعطى الأولوية في الأزمة السورية للحرب على داعش وأصدر أوامره بعدم إعاقة الجيش السوري في الجنوب السوري وعلى الحدود مع الأردن.

وطالما يحارب داعش وأينما تجري هذه الحرب، ثم جاء الإعلان الرسمي عن وقف برنامج وكالة المخابرات المركزية لدعم المعارضة السورية وتسليحها الذي أطلقه الرئيس أوباما قبل أربع سنوات، وتكلف مئات الملايين من الدولارات ووصفه ترامب بأنه «ضخم ومكلف وغير فعال».

مؤكدا أن القرار لن يتخذ لإرضاء روسيا، الحليفة الأساسية، لنظام بشار الأسد كما يقول السيناتور جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة الذي وصف قرار ترامب بأنه غير مسؤول وقصير النظر يحترم المصالح الروسية ويلعب لمصلحة الرئيس الروسي بوتين!

صحيح أن الأميركيين ساعدوا كثيرا في معركة الرقة، ومكنوا القوات الكردية العربية المشتركة من الحصول على السلاح والعتاد الثقيل والمعلومات المهمة التي مكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير معظم أحياء ومناطق الرقة في معارك شرسة تكاد تكون صورة طبق الأصل من معركة الموصل، لكن الأمر المؤكد أن المعركة النهائية التي يخوضها الجيش السوري في دير الزور سوف تكون المعركة الفاصلة والنهائية التي تقوض وجود داعش في سوريا.

وتجري متلازمة مع المعركة المهمة التي تخوضها القوات العراقية في منطقة تل عفر، ليصح القول بأن داعش قد اندحرت في كل من العراق وسوريا على أيدي القوات العربية، رغم أن أجزاء من داعش التي اندثرت كمنظمة إرهابية يمكن أن تظل عنصر قلق في بادية الشام التي تفصل بين العراق وسوريا إلى أن يتم القضاء على هذه البؤر المبعثرة تماماً!

وبانتهاء معارك الرقة ودير الزور وتل عفر، المعارك الثلاث الأخيرة في الحرب على الإرهاب، وتوحيد مواقف قوى المعارضة الذي يتم الآن في الرياض، تصبح الطريق سالكة لعقد جولة مفاوضات جديدة يتمنى الجميع أن تكون الأخيرة في جنيف، تحقق توافق الحكم والمعارضة السورية على شكل التسوية السياسية للأزمة وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تنتهي بكتابة دستور جديد للبلاد.

وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، لا نعرف بعد إن كان بشار الأسد سوف يشارك فيها مرشحاً أم أنه ربما يجد الأصلح له هو الخروج الآمن قبل إجراء الانتخابات الرئاسية!

لكن ثمة ما يؤكد أن حوار المعارضة والحكم في الجولات السابقة، رغم أنه كان يجري عن بعد وليس بصورة مباشرة، إلا أنه أرسى بعض التوافقات المهمة التي يمكن البناء عليها.

أولها: أن كل الأطراف السورية أصابها الإرهاق الشديد ولم يعد أمامها سوى طريق التسوية السلمية.

وثانيها: استبعاد داعش وجبهة النصرة من أن يكونا طرفين في تسوية سلمية تهدف إلي إقامة مجتمع متعدد العرقيات يشمل جميع الفئات الإثنية والدينية دون تمييز، وإنشاء دستور جديد للبلاد، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في غضون 18 شهراً.

وثالثها: توافق كل الحضور من الحكم والمعارضة والشهود على ضرورة الحفاظ على وحدة الأرض والدولة السورية واستبعاد أي حلول انفصالية ووقف أي هجمات على المدنيين علي نحو نهائي.

وبالطبع يدخل ضمن إشارات التفاؤل بانتهاء المحنة السورية، إجماع الشعب السوري على رفض المزيد من الحرب وشبقها الملحة إلى السلام والاستقرار، والعودة المستمرة لجموع المهاجرين السوريين من الخارج، وتوافق العرب جميعاً على ضرورة إنهاء الحرب السورية، وحماس العديد من الدول الغربية لإنجاز التسوية أملاً في أن تغلق التسوية سيل الهجرة السورية التي تدق أبواب أوروبا، وينتهي عمل مفرخة خطيرة لجماعات الإرهاب تنتج كل يوم المزيد من الإرهابيين.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات