رفع إعلان كوريا الشمالية بإجراء اختبار ناجح على قنبلة هيدروجينية، مستوى المخاطر في مواجهات البلاد المتصاعدة مع جيرانها في شمال شرق آسيا، ومع الإدارة الأميركية التي باتت تنفذ منها الخيارات الجيدة تدريجياً.

لكن المسؤولين الصينيين وُوجهوا بحقيقة أكثر جدية، مفادها أن بكين التي تعد أكبر حليف وشريك تجاري لبيونغيانغ، قد أصبحت أيضاً هدفاً لصب جام غضبها.

يقول الخبراء: إن الاختبار النووي يجمع الصين والولايات المتحدة معاً. فقد حصل بعد ساعات من الخطاب الاستهلالي للرئيس الصيني شي جيبنينغ في قمة «بريكس» في الصين، الذي شكل فرصة أمام الرئيس الصيني جينبينغ لإظهار الدور القيادي المتزايد للصين في العالم النامي، فكان الاختبار النووي بمثابة تطفل صارخ.

يقول الخبير في شؤون كوريا الشمالية، روبرت كيلي: «كانت هناك شكوك منذ فترة طويلة بأن الكوريين الشماليين يصممون برنامجاً نووياً وصاروخياً ليس فقط لإرهاب الأميركيين، لكن أيضاً لإرسال إشارات إلى الصين». ويضيف: «لا يرغبون في أن يصبحوا دولة في فلك الصين، مثلما كانت ألمانيا الشرقية بيد السوفييت. وعندما سحبوا يدهم عنها، اختفت من الوجود في غضون 11 شهراً. ولا تريد كوريا الشمالية أن تكون معتمدة إلى هذا الحد على الصين».

وبكل تأكيد، التوقيت لم يكن مجرد صفعة في وجه الصين، فقد استيقظ الأميركيون على الأنباء في عطلة يوم العمال. وكانت التجربة النووية عرضاً حياً لتحدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حذر الشهر الماضي أنه سيجلب «النار والغضب» ضد الدولة المارقة إذا واصلت تهديدها للولايات المتحدة.

خطوة كيم الأخيرة تمثل واحدة من أكبر التحديات أمام الإدارة، التي أصدرت رسائل مختلطة بشأن سياستها تجاه كوريا الشمالية. فقال وزير خارجيتها ريكس تيلرسون إن الولايات المتحدة مفتوحة للمفاوضات مع البلاد، فيما قال ترامب «المباحثات ليست الحل».

وفي تغريدة أخيراً، حذر ترامب من أنه يدرس «وقف المبادلات التجارية مع الدول التي تتعامل مع كوريا الشمالية» إلى جانب خيارات أخرى. لكن مثل هذا التحرك سيؤثر على بعض أكبر الشركاء التجاريين لأميركا، وقد يكون له أثر كبير على الاقتصاد العالمي.

وقد وجدت الإدارة نفسها مع مجموعة الخيارات الكئيبة نفسها كما سابقاتها، إذ إن أي هجوم بإمكانه أن يؤدي إلى حرب واسعة النطاق في شبه الجزيرة الكورية، ويكلف الملايين من الأرواح. لكن العقوبات أخفقت، ولا يمكن للصين أن تذهب أبعد من هذا الحد.

وغرد ترامب الذي انتقد الصين وأشاد بها، أن كوريا الشمالية «أصبحت تهديداً كبيراً وإحراجاً للصين التي تحاول المساعدة لكن بقليل من النجاح». فيما قال وزير المالية ستيفن مونتشن إنه يعد حزمة من العقوبات الأكثر تشدداً، وأعرب عن أمله في إدراج جيران كوريا الشمالية في هذا الجهد. وذكر على وجه التحديد الصين.

وتُفقد اختبارات كيم النووية والصاروخية المتكررة صبر بكين بكل وضوح. تجربة نووية تحت الأرض في يناير 2016 جاءت عشية السنة الصينية الجديدة، بعد أن طلبت حكومة جينبينغ من بيونغيانغ الامتناع عن مثل هذه الأعمال.

وقد أدت أسابيع عدة من المباحثات بين الصين وإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أخيراً إلى التصويت في مجلس الأمن بالإجماع على عقوبات ضد كوريا الشمالية في 2 مارس 2016. تلك العقوبات التي تضمنت عمليات تفتيش إلزامية ومنع لتصدير معظم الموارد الطبيعة، دعيت في حينها الأشد صعوبة.

وجرى النظر إلى موافقة الصين على العقوبات بأنه أمر حاسم، وانعكاس لغضبها من سلوك كوريا الشمالية. ودعمت بكين مجدداً حزمة جديدة وحتى أكثر تشدداً من عقوبات الأمم المتحدة الشهر الماضي.

وهذه المرة الثانية هذا العام التي تعطل كوريا الشمالية اجتماعاً دبلوماسياً هاماً للصين. فقد أجرت اختباراً صاروخياً خلال منتدى دولي كبير في مايو، للترويج للمبادرة التجارية «الحزام الواحد والطريق الواحد» التي أطلقها تشي.

وجرت التجربة الأخيرة فيما تستعد الصين لعملية انتقال سياسي للقيادة الشهر المقبل، حيث المسؤولون متحمسون لتفادي أي حوادث يمكن أن تُظهر تشي بمظهر الضعيف.

وقد أعربت وزارة الشؤون الخارجية في الصين، وفي بيان قوي اللهجة على نحو غير معتاد عن «معارضتها الحازمة» للاختبار النووي، وحضت كوريا الشمالية «على وقف اتخاذ إجراءات يمكنها أن تزيد الوضع سوءاً والعودة إلى قناة الحوار».

«هذا الاختبار وضع كل طرف في الزاوية» يقول شي يونهونغ أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الشعب في بكين، مضيفاً: «نفوذ الصين يستخدم خطوة خطوة، ومع ذلك، لا شيء يمكنه أن يضمن نزع السلاح النووي»، مفيداً بأن بكين قد تدرس معاقبة كوريا الشمالية من خلال قطع إمدادات النفط، لكن فقط جزئياً أو مؤقتاً.

أما السبب في ذلك، هو أن كوريا الشمالية يمكن أن تكره الصين أكثر فأكثر إذا ما قطعت إمدادات النفط بشكل كامل. وهذا سيئ جداً. ثانياً هو أنه إذا استخدمت الصين مثل هذا الإجراء في وجه ضغوط ترامب، فسيكون لديها فسحة أقل للمناورة.

الإدانات بعيدة كل البعد عن أي حل للقدرات التقنية المعززة لكوريا الشمالية. ويكتب ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في تغريدة: يكفينا حديثاً عن فاعلية التصويت في الأمم المتحدة، والعقوبات الاقتصادية، والضغوط الصينية، والتبجح الأميركي.

كاتب أميركي بصحيفة لوس أنجليس تايمز