عندما احتفلت الهند في عام 1997 بالذكرى الخمسين لاستقلالها عن الحكم الاستعماري البريطاني، انضمت موجة بشرية هائلة من الشعب الهندي إلى الاحتفالات اليوبيلية.
وقاد المهرجان الاحتفالي حشد من المحاربين القدامى الذين قاوموا الاستعمار البريطاني، وتلا ذلك إطلاق ألعاب نارية مذهلة. وشاهدت الحشود على شاشات عملاقة فيلماً بالأبيض والأسود عن الزعيم الهندي الخالد جواهر لال نهرو، وهو أول رئيس وزراء هندي، وهو يلقي خطابه الشهير "اللقاء المصيري".
كان مظهر هذه الحشود يدعو للتفاؤل، فبعد أزمة مالية حادة، أصبحت الهند منفتحة على العالم، وولدت حساً من الأمل والإمكانيات المتاحة. وفيما كان نهرو يردد الكلمات " في منتصف الليل، وبينما يكون العالم نائماً، فإن الهند سوف تستيقظ على الحرية والحياة"، ترددت أصداء هذه الكلمات وسط الجمهور الذي أحس برعشة تسري في جسده.
ومؤخراً، احتفلت الهند بالذكرى السبعين لاستقلالها بصورة مختلفة، فعبر أسوار الحصن الأحمر، لم يكتف رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي باستعراض سبعة عقود من الحرية، بل استعرض أيضا سياساته الخاصة طوال السنوات الثلاث الماضية، خاصة معركته ضد الفساد والتهرب الضريبي. ثم حض مواطنيه على التعهد بإنشاء "هند جديدة" بحلول عام 2022، وشبهها بحركة " أخرج من الهند" التي كانت موجهة ضد الحكم الاستعماري.
كانت هذه المناسبة الصامتة انعكاساً ملائماً للمنعطف السياسي العميق التي تجد فيه الهند نفسها، أثناء انتقالها من مؤسسة حاكمة متأثرة بالمثاليات الغربية المتحررة إلى نظام جديد محافظ يجسد قيما هندية أكثر أصالة، كالعائلة والمجتمع والتقاليد.
وقد هيمن حزب المؤتمر الوطني الهندي على نظام الحكم لنحو سبعة عقود، وهو مظلة لمجموعة مضادة للاستعمار تحولت إلى حزب سياسي ترأسه نهرو في البداية، ثم السلالة التي أسسها. وحسب وجهة نظر نهرو، فإن جوهر الهند يكمن في تركيبتها الثقافية المعقدة، مع طوائفها الدينية المتعددة التي تشمل الهندوس، المسلمين، البوذيين، السيخ، المسيحيين وغيرها.
واليوم، فإن مودي وحزب بهاراتيا جانتا الوطني الهندوسي يـُحكمان قبضتهما على أعمدة السلطة في نيودلهي ومساحات شاسعة من البلاد، ويريدان إيجاد مجتمع يشكل الهندوس الأغلبية فيه، وتهيمن عليه المعايير الثقافية الهندوسية، في قطيعة تامة مع الماضي.
وتحققت في السبعين سنة الماضية إنجازات رائعة في الهند، إذ تضاعف متوسط العمر، وأصبح هناك تنوع في الحياة لدى أمة متعددة اللغات، وأتيح للديمقراطية أن تضرب بجذورها عميقا، وأعيد توطين ملايين اللاجئين، وتعززت العلوم والتكنولوجيا والابتكارات.
وكانت هناك في الوقت نفسه أوجه قصور شديدة في الهند، ففي حملته الانتخابية للعام 2014، تهكم مودي على حزب المؤتمر مراراً وتكراراً لحوكمته الخاطئة، مشيرا ضمنا إلى أن تراث نهرو لا يشكل أساساً صلباً يمكن البناء فوقه، ولكنه زمن الأخطاء الرئيسية التي يجب التخلص منها.
كما وصف رام مادهاف وهو الأمين العام لحزب بهاراتيا الحاكم، نهرو بأنه ممثل للمستعمرين الإنجليز لأنه تتلمذ على أيديهم، وأن هناك بوناً شاسعاً بين قيمه الجوهرية والحكمة الأصلية للهنود.
وكتب مادهاف في صحيفة "إنديان إكسبرس" مؤخرا:" سعى نهرو لتوجيه البلاد باتجاه الأفكار التي ورثها عن أسياده المستعمرين، وقد دعمه الغوغاء والبسطاء من الناس في الهند، الذين أصبحوا في النهاية متوافقين مع حكومة تبدو مألوفة لديهم، ويستمتعون بحكمها".
وقد مزق هذا الازدراء لنهرو المجتمع الهندي إربا، ففي ولاية راجستان التي يحكمها حزب بهاراتيا، تم محو سيرة نهرو المجيدة من الكتب الدراسية، واستبدلت بفصول تمجد مودي وسياساته الحكيمة. وحذوت ولايات أخرى يحكمها الحزب الهندوسي حذوها. وحذف الرئيس الهندي رام ناث كوفند، الذي عينه حزب باهاراتيا الحاكم، اسم نهرو من قائمة تضم مقاتلي الحرية البارزين تمت الإشارة إليهم في كلمة ألقيت في عيد الاستقلال مؤخراً.
تخيلوا كيف ستحتفل الهند بالذكرى الـ 75 لاستقلالها في عام 2022، فمن الواضح أن مودي يتوقع ترؤس الاحتفالات في تلك المناسبة، وهو توقع مرجح نظراً لشعبيته الذاتية والانقسام الذي يسود المعارضة.