احتجاجات الشوارع التي هزت فنزويلا على امتداد الأشهر الثلاثة والنصف الماضية، تحولت إلى أعمال عنف؛ فقد لقي أكثر من 120 شخصاً مصرعهم حتى الآن. ومع ذلك فإن أكثر الجوانب إثارة للدهشة لهذه الاحتجاجات لا يتمثل بحالة العنف المتفشي، ولكن بالكيفية التي تنضبط بها الحركة التي تنظم الاحتجاجات.
ولدى المحتجين عوامل كثيرة تثير غضبهم، فالحكومة تزداد دكتاتورية، والطعام والأدوية أصبحت نادرة بصورة تدعو للقنوط، والاقتصاد يواصل الانهيار، ومع ذلك فإن المحتجين نادراً ما يستخدمون القوة القاتلة.
وبالمثل لم تستخدم قوات الأمن الفنزويلية أي أسلحة قاتلة لقمع المتظاهرين. لذلك، ومع أن العنف كان سائداً، لكن الوفيات كانت نادرة. وما زال الطريق طويلاً أمام فنزويلا لكي تصبح مثل سوريا وليبيا، حيث يتعرض المحتجون للقتل منذ البداية.
ولكن إلى متى سيستمر الانضباط في فنزويلا؟
منذ مطلع أبريل الماضي، تحولت الاحتجاجات هناك إلى نوع من الإيقاعات الرتيبة، فقد تقيد الجانبان بمجموعة من القوانين غير المكتوبة التي تتعلق بالمدى الذي يكون فيه العنف مقبولاً. فعند الظهيرة ينطلق المتظاهرون في أرجاء البلاد للتظاهر ضد نظام الحكم، وعلى الفور تحتشد قوات الأمن رداً على ذلك، ويعقبه إطلاق القنابل المسيلة للدموع، وغالباً ما تكون بكميات كبيرة. ويتفرق المتظاهرون ثم يعودون للتجمع ويقذفون الشرطة بالحجارة أو قنابل المولوتوف. وفي بعض الأحيان ترد الشرطة بإطلاق الرصاص المطاطي على الحشود، وفي بعض الأحيان تعبئ خراطيش البنادق بالزجاج، فيتفرق المتظاهرون ثم يعيدون تنظيم أنفسهم ويتجمعون مجدداً لإغلاق الطرق بالمتاريس والتظاهر. وتعود قوات الأمن، ويتجدد سيناريو العنف.
صحيح أن بعض المحتجين يلقون مصرعهم، فالرصاص المطاطي وعبوات القنابل المسيلة للدموع قد تقتل إذا وجهت على صدور المتظاهرين مباشرة وعن قرب. وبلغ معدل القتلى شخص واحد يومياً. صحيح أن عدد القتلى يعتبر كبيراً نسبياً، لكنه أقل بكثير مما كان متوقعاً.
قوات الأمن قررت عدم استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين، ويبدو حقاً أن عدد القتلى المحدود من المتظاهرين كان ناجماً عن حوادث معزولة، فرجال الشرطة الذين كانوا يشعرون بالذعر وسط الاحتجاجات الفوضوية، هم المسؤولون عن سحب أسلحتهم الشخصية وإطلاق النار. ونتيجة لذلك، كانت السلطة توجه إليهم اتهامات بالقتل.
وفي معظم الأحيان، كان المتظاهرون أنفسهم يبتعدون عن أعمال العنف القاتلة، ويكتفون بإلقاء الحجارة، أو يعيدون إلقاء القنابل المسيلة للدموع التي تطلق عليهم من قبل الشرطة، أو ينصبون المتاريس على الطرق. وأصبحت قنابل المولوتوف القديمة العهد، من الأسلحة المفضلة للمتظاهرين. وعلى الرغم من أنها قد تبدو مهولة وتحدث أثراً في النفس خلال عرض صورها في الصحف، إلا أنها غالباً ما تكون غير قاتلة على وجه الخصوص. وفي بلد تتوفر فيه الأسلحة بسهولة، فإن ضبط النفس يحدث أثراً ملحوظاً.
غير أن هذا التوازن بين الطرفين ينطوي على مخاطر، فمع كل يوم من الاحتجاجات، هناك احتمال جديد بأن شيئاً أو أحدهم سيخل به، مما قد يحول الصراع إلى شكل جديد يكون مميتاً بشكل أكبر. ولكن يستبعد أن يصبح هناك صراع أهلي كبير في فنزويلا. ولكن بمرور الوقت يصبح مستعصياً على الحل بشكل أكبر.
في نهاية يونيو الماضي، قاد شرطي مارق مروحية للشرطة وأطلق منها النار على مبنى تابع للمحكمة العليا. وبعد أيام، أغار ناشطون مؤيدون للحكومة على مبنى الجمعية العمومية المؤيدة للمعارضة، وهاجموا نواب المعارضة وصحافيين بالألعاب النارية والهراوات، وأصابوا خمسة من النواب على الأقل بجروح، أحدهم جراحه خطيرة.
وعلى الرغم من أنهم استخدموا الألعاب النارية، فإن التصعيد مع ذلك يجر معه تصعيداً أكبر.
وتظهر التقارير الصادرة عن معاقل المعارضة، أن المتظاهرين أصبحوا أكثر تنظيماً، وفي بعض الأحيان أخذوا يقتربون من الثكنات شبه العسكرية، وأصبحوا يستخدمون تكتيكات أكثر تعقيداً ويتعلمون كيف يجعلونها أكثر فاعلية، ويستخدمون الألعاب النارية كأسلحة. وفي الشهر الجاري استخدموا جهاز تفجير محسناً للمرة الأولى ضد قوات الأمن، فجرحوا سبعة منهم.
وما زال هناك وقت لمنع الانزلاق إلى حرب أهلية في فنزويلا، لكن الوقت يضيق، ولا بد من حل للأزمة يجري التفاوض عليه.
*كاتب صحافي فنزويلي