العلمانية ومكافحة الإرهاب

أصبحت مواجهة التطرف والإرهاب حديث العالم اليوم، يتناوله الجميع، ويقترح بعض المثقفين في العالم العربي والإسلامي الانتقال إلى أنظمة سياسية علمانية، كحل سحري لمواجهة الإرهاب.

ولندرس هذا المقترح بحيادية وموضوعية وطرح واقعي، هل العلمانية قادرة على الوفاء بهذا الاستحقاق؟ هل هي قادرة على مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة والقوى الراديكالية؟ لنتجاوز نطاق التنظير المجرد ولنستند إلى الحقائق والوقائع والاختبارات العملية. لقد ظهرت العلمانية في أوروبا، واجتاحتها، .

وسيطرت على أنظمتها السياسية، ومع ذلك فقد تميزت أوروبا في القرن العشرين بصدام الأيديولوجيات، ونشبت حربان عالميتان ذهب ضحيتهما عدد لا يحصى من البشر، لتسطر هذه الدماء حقيقة واضحة، وهي أن العلمانية لم تكن محصنة من القوى الراديكالية، فقد اجتاحت أوروبا العلمانية في القرن الماضي حركتان ثوريتان متطرفتان كبيرتان: الفاشية والماركسية، وانتشرتا في جميع أنحاء أوروبا، وظهرت الفاشية الإيطالية، وانتشرت الاضطرابات الداخلية.

وعمل الألمان النمساويون على إسقاط الملكية في النمسا، وكانت من شعاراتهم تحرير مبدأ حب الوطن من براثن الملكية، ثم ظهرت الفاشية الألمانية ممثلة بـ «حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني» الشهير بالحزب النازي بزعامة هتلر، وهو حزب سياسي قومي محض، وليس حزباً دينياً.

لقد دُمرت أوروبا في القرن الماضي وطُحنت بسبب صراع الأيديولوجيات المتطرفة، والمواجهات بين الفاشية والماركسية، واعتبر هتلر كما صرح في مذكراته أن مستقبل ألمانيا يتوقف على القضاء على الماركسية، وعمل على إنشاء عقيدة أيديولوجية مضادة، وقال وزير الدعاية النازية الشهير جوزيف غوبلز: «نريد مواجهة الماركسية العالمية بالقومية الاشتراكية الألمانية»، ولم تستطع العلمانية مواجهة هذا النوع من الصراعات الأيديولوجية التي لا علاقة لها بأجندات دينية.

واعتبر هتلر «أن حدود الدول هي من صنع الإنسان وتبديلها يتم على أيدي البشر» وأن الاستعمار واستخدام الإرهاب حق مشروع للدول القوية، واعتمد على نظرية البقاء للأقوى، وتبنَّى الداروينية السياسية والاجتماعية المتطرفة، فقام بالتطهير العرقي، وإبادة الأفراد والأجناس الضعيفة، وعمل على استعمار الدول الأخرى، وقد اتجه هو إلى التوسع في القارة الأوروبية.

بينما اتجهت الفاشية الإيطالية إلى التوسع خارج أوروبا، فاحتلت ليبيا، ووقعت معظم الدول العربية تحت احتلال الدول الأوروبية العلمانية، وما استند إليه هتلر وغيره في تسويغ مبدأ الاستعمار والإرهاب ليست حججاً دينية، بل نظريات وأيديولوجيات فكرية وسياسية واجتماعية، لم تستطع العلمانية مواجهتها، بل كانت حصان طروادة لأحزابها.

هذه الحقائق تكشف أن العلمانية ليست محصنة إطلاقاً من القوى الراديكالية والأيديولوجيات المتطرفة، بل الواقع أكد عكس ذلك، فقد كانت ثغرة لاختراق المجتمعات والمنظومات السياسية، وتمكين أعتى القوى الإرهابية لغزو العالم وقتل البشرية واستنزاف خيراتهم وثرواتهم.

وها هي الأحزاب اليمينية المتطرفة تطرق أبواب أوروبا الغربية من جديد في قرننا الحادي والعشرين، وكاد حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف أن يستحوذ على رئاسة فرنسا العلمانية لولا خسارتها في الانتخابات الرئاسية.

وإذا تركنا أوروبا جانباً وأتينا إلى العالم الإسلامي فسنجد أن بعض الأحزاب الإخوانية استفادت من العلمانية للصعود السياسي، والاستحواذ على الحكم، وقامت بتطوير نفسها لتتلاءم مع العلمانية، بل كانت تبشر بالعلمانية في الدول العربية، فهل حمت العلمانية هذه المجتمعات من هذه التيارات؟! إن جماعة الإخوان جماعة براغماتية، ومتى فُرضت عليهم العلمانية فيستخدمونها كما استخدموا الديمقراطية، بل سيجدون في العلمانية طوق نجاة لهم.

ولنقترب أكثر، ولنتحدث عن التنظيم السري المدان في دولة الإمارات، ونكشف عن حقيقة خطيرة، فها هو أحد القيادات العليا للتنظيم من المدانين يكتب إبان الثورات رسالة إلى من سماهم بالإسلاميين، يقدم فيها خطة لمرحلة ما بعد الثورات، يدعو فيها للفصل بين الحزب السياسي والجماعة الدينية، وجعل مرجعية الحزب سياسية فقط، واستبدال الخطاب المؤدلج بحقوق الإنسان وحرياته.

والعمل بالمتغيرات لا بالثوابت، واجتناب مفردات دولة إسلامية أو خلافة أو أي مصطلح تاريخي من جانب الحزب، واستبدالها بمفردات المواطنة ونحوها، ومراجعة كل المفردات والأدبيات لتتسق مع خطة المرحلة، ولننقل بعض ما جاء في هذه الرسالة: «تجنبوا الأيديولوجيات، وركزوا على البراغماتية»، «اهتموا بكل فنون الإعلام والإنتاج الفني.

ولا تضعوا قيوداً على أي إنتاج لأي سبب كان»، «شاركوا مشاريع تنشيط السياحة، بلا تحفظ، ومن دون قوائم محظورات»، «استوعبوا المرأة بلا تحفظ ولا استثناءات أو شروط»!! ولنا أن نتساءل: كيف تستطيع العلمانية التصدي لهكذا حزب سياسي براغماتي إلى أبعد حد؟! كيف تستطيع حماية الدول والمجتمعات من هذا التكتيك الإخواني الذي يستغل العلمانية نفسها لتجديد دمائه والانقضاض على الحكم؟!

وأخيراً فلنتساءل ضمن اختبار آخر: هل ستقدم العلمانية امتيازات لم تستطع غيرها تقديمها كالتعايش وحقوق الإنسان؟ إن الواقع يثبت خلاف ذلك.

ومن أوضح الأمثلة على هذا دولة الإمارات العربية المتحدة التي ينص دستورها على أن دين الدولة هو الإسلام، فهي نموذج رائد للتعايش السلمي، ونبذ الطائفية، واستيعاب أكثر من 200 جنسية يعيشون على أرضها بسلام ووئام، وحفظ حقوق الإنسان، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز القانون والعمل المؤسسي، والتنمية المستدامة، والتطور في مختلف الميادين، والعلاقات الدولية المتميزة.

إن نزع فتيل التطرف بمختلف صوره وأشكاله في العالم ضرورة لابد منها، وذلك يتطلب آليات فاعلة لتحييد جميع القوى الراديكالية المتطرفة، وتطوير القوانين وتطبيقها، وبناء الرؤية المستقبلية التي تستفيد من الماضي والحاضر، لتحقيق السلام العالمي.

*مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

طباعة Email
تعليقات

تعليقات