إذا كان يقصد بالتهديد الذي تمثله كوريا الشمالية الخطر المتمثل في أن تمطر البلاد بصواريخها بعيدة المدى ذات الرؤوس النووية الأراضي الأميركية، مثل غوام، أو أي دولة أخرى متحالفة مع الولايات المتحدة، فإنه من المنصف القول إنه لا تهديد فعلياً من كوريا الشمالية. إذ يمكن تحديد مواقع صواريخها وقصفها بدقة حتى قبل إطلاقها، أو اعتراضها وتدميرها في الجو حتى قبل أن تتمكن من الوصول الى أي من أهدافها. وتدرك البنتاغون هذا الأمر، وتدرك ذلك أيضا الصين وروسيا، وربما حتى كوريا الشمالية.
لكن أياً من ذلك يوفر ضمانات بأن حرباً مروعة في شبه الجزيرة الكورية يمكن منعها تماماً. فكوريا الشمالية بلاد يحكمها دكتاتور، قد يكون مجنوناً وبلا رحمة، كأسلافه، جده كيم إيل سونغ ووالده كيم يونغ إيل، لكن ما يجعل التنبؤ بالوضع الحالي متعذراً هو أن الشاب كيم يونغ أون، الذي يحمل لقب "القائد الأعلى" يبدو أكثر تهوراً، ومدفوعاً بنوازعه أكثر من فهم واضح للشؤون العالمية.
كيم، شأنه في ذلك شأن شعبه، هو نتاج تاريخ من الكراهية المكثفة التي تنسب للولايات المتحدة كل المصائب والنكسات التي عانى منها الشعب الكوري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ووفقاً لهذه الرواية، فإن أميركا تمثل الدولة التي قسمت الأمة الكورية القديمة إلى دولتين، وأبقتهما على هذا النحو ليومنا هذا، منفصلتين وعلى عداء الواحدة ضد الأخرى. وفي سبيل صب الملح على الجرح المفتوح، فإن ألوف القوات الأميركية في كوريا الجنوبية يحافظون على السياج الذي يفصل الكوريتين. ومن وجهة نظر الشمالية، قد تبدو الجنوبية أكثر ثراء وتقدماً، لكن هذا الثراء والتقدم عبارة عن ازدهار ضحل حصلت عليه على حساب خدمتها كدمية أميركا في المنطقة.
وكثيراً ما تدعى كوريا الشمالية بـ "الدولة الناسكة" لعزلتها الدبلوماسية والاقتصادية عن معظم العالم. ومع عدد سكان يبلغ 25 مليون نسمة، أو حوالي نصف كوريا الجنوبية، فإن كوريا الشمالية موجودة في جمود زمني منذ الخمسينات، وهي تكافح من أجل بناء اقتصاد حديث على أساس بنية تحتية صناعية بدائية. وقد رفعت عزلتها إلى مصاف الفضيلة وأطلقت عليها الأيديولوجية الوطنية للاعتماد على الذات، غافلة تماماً عن النمو الاقتصادي الهائل الذي حققته الصين وكوريا الجنوبية.
في عام 1987، كانت الرحلات التجارية الوحيدة التي يسمح لها بدخول كوريا الشمالية تأتي من مصدرين، إما من موسكو أو من بكين. وكان المسؤولون الحكوميون يتحدثون عن هذه الأيديولوجية كأنها مقو فلسفي، ممزوج بالماركسية اللينينية، يجعلهم أقوياء وقادرين على مواجهة المحن. كما كان هناك بعض الطلبة المنفتحين على الموسيقى الغربية، والحريصين على أن تتحرر بلادهم من العزلة التي تفرضها الولايات المتحدة، ليتمكنوا من التواصل مع ما يحدث في باقي العالم، لا سيما في مجال الثقافة والتعليم.
وتعد كوريا الشمالية في كل شيء مجتمعاً قديماً فقيراً من دون موارد، لكن برؤية تاريخية كبيرة وتقاليد من الفخر. ومهما كانت الثروات التي يمكن أن تستمدها البلاد من تضاريسها القاسية، فإنها تُحفظ للجيش. ولا وجود لمجتمع مدني في كوريا الشمالية. والناس هناك بين الأكثر وحدة في العالم، مستبعدين عن دوائر المجتمع الدولي الديناميكية، ومتعطشين دائما للمعرفة وللتواصل مع العالم الخارجي.
وهناك حوالي 30 ألف جندي أميركي متمركز في كوريا الجنوبية في أي وقت من الأوقات. وتبدو المنطقة الحدودية كما لو أنها مجمدة في الزمن. ويمكن ملاحظة أن الحرب في الخمسينات بقيت حية إلى حد كبير، وأنها مؤجلة ليس إلا. وربما لا توجد بلاد أعدت للحرب على طول حدودها بقوة أكثر من كوريا الشمالية. فالجيش الشعبي الكوري، من مليون جندي وعدة ملايين من جنود الاحتياط، هو في وضع حرب دائماً.
ومن الصعوبة التأمل في عواقب حرب بهذا الحجم، إذ سيموت الملايين في غضون بضعة أيام، فيما ستحاول جحافل من الناس الهرب إلى الصين أو إلى كوريا الجنوبية. ولن تقف روسيا والصين اللتان تتشاطران الحدود مع كوريا الشمالية، كما باقي العالم، على الحياد ليس إلا.
استحالة السماح بحدوث أي شيء من هذا القبيل هي، للمفارقة، ما يسمح لزعيم كوريا الشمالية الشاب كيم يونغ اون وللرئيس الأميركي دونالد ترامب في رفع حدة خطابهما الحربي، لكن مع قادة دول على مثالهما، يمكن لسوء الحسابات المكلفة أن تحدث في أي وقت.