فنزويلا وبرميل البارود

يشعر صناع القرار الأميركيون بالقلق بشأن سوريا، أفغانستان، أوكرانيا وكوريا الشمالية، لكنهم لا يولون إلا انتباها قليلاً إلى برميل البارود القابع في جنوب الولايات المتحدة، والذي على وشك الانفجار. ففنزويلا التي كانت تتمتع بازدهار كبير في الماضي، آخذة بالتمزق إرباً منذ سنوات، وقد أشعل رئيسها نيكولاس مادورو فتيل بارود حرب أهلية عبر انتخابات الجمعية التأسيسية التي هندسها، ولاقت استنكاراً عالمياً كبيراً. ومن خلال الهجوم الأخير للمتمردين على قاعدة عسكرية فنزويلية، يبدو أن المعركة المميتة قد بدأت الآن.

وقد انتخبت الجمعية التأسيسية في استفتاء زائف أجراه مؤيدون لمادورو، وهم مثل زعيمهم تعهدوا بالتخلص من الضمانات الدستورية للدولة، ومنح مادورو السلطة لسحق معارضيه. وقد نددت العديد من الدول ومنظمات حقوق الإنسان، وخاصة الولايات المتحدة، بهذا الإجراء. وقاطع مناوئو النظام هذا الاستفتاء، ونحو 80% من الشعب الفنزويلي بحسب الاستطلاعات الأخيرة.

ولم يردع ذلك مادورو فأعلن أن نتائج الاستفتاء هي مصادقة ديمقراطية على مخططاته، وفي غضون ساعات، تم القبض على اثنين من معارضيه. وأعقب ذلك المزيد من الاعتقالات. ويمكن توقع وتيرة السيطرة على الجمعية التأسيسية التي باشرت عقد أولى جلساتها أخيراً، وتم التخلص من المعارضة التي كانت تهيمن عليها، فيما أكمل مادورو مهمة تفكيك الديمقراطية وبناء دولة استبدادية. وقد فرضت واشنطن العقوبات على مادورو شخصياً، كما هددت بفرض عقوبات على كل عضو في الجمعية التأسيسية. والمعروف أن العقوبات لم توقف فيدل كاسترو في ستينيات القرن الماضي، كما فشلت في ثني العديد من المستبدين الذين فرضت عليهم عقوبات أميركية شديدة في السنوات الأخيرة، عن غيّهم، ومن غير المرجح أن يكون لها تأثير يذكر على نظام مادورو.

وقبل الانتخابات، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عقوبات اقتصادية سريعة وقوية على فنزويلا إذا مضى مادورو قدماً في إجراءاته، ولكن منذ ذلك الحين، لم تجر متابعة هذا الأمر كثيراً، فيما ذكرت صحيفة «ميامي هيرالد» أن مسؤولي الخارجية الأميركية شوشوا هذه الرسالة من خلال إعرابهم عن الرغبة في إجراء حوار مع نظام مادورو.

والتضخم المتفشي الذي نكبت به فنزويلا منذ إلقاء مادورو أوامره للمطابع بطباعة مزيد من العملة الورقية، جعل من المستحيل استيراد أي شيء تقريباً من الخارج. والأدوية غير متوفرة إلا في السوق السوداء بأسعار لا يستطيع تحملها معظم الفنزويليين. وسكان المدن الذين كانوا يرتادون مطاعم الدرجة الأولى يمكن رؤيتهم الآن ينقبون في القمامة خلف تلك المطاعم عن بقايا أي طعام ليسدوا به غائلة الجوع. ولا أحد يشعر بالأمان في المدن الفنزويلية، التي أصبحت الآن أخطر الأمكنة على وجه الأرض.

في السنوات الأخيرة، نزع نظام مادورو أسلحة المواطنين، وفرض أكثر قوانين التحكم بالسلاح صرامة. وفي مطلع العام الجاري، وزع الأسلحة المصادرة على مواليه، الذين يستخدمونها الآن لقتل الفنزويليين أو إرهابهم من الذين يتظاهرون ويبدون معارضتهم علانية.

ويصعب تخيل حدوث مزيد من الانهيار الاقتصادي في فنزويلا، ولكن في أكتوبر يتعين على نظام الحكم أن يقرر ماذا سيفعل بشأن 3.4 مليارات دولار من مدفوعات القروض الدولية التي يتعين سدادها بالدولار، وليس بعملة البوليفارز المحلية التي لا تساوي شيئاً. وقدمت القروض لشركة النفط الوطنية التي تديرها الدولة، وإذا عجز مادورو عن السداد، فإنه سينتهي به الحال بمواجهة مزيد من العزلة الدولية، بصورة أكبر مما عليه الحال الآن.

ومع تفاقم الأمور، تلوح في الأفق نذر حرب أهلية مفتوحة، وهي حرب يمكن ألا تكتفي بمصرع عشرات الألوف، ولكن أيضاً بموجات من اللاجئين بصورة لم نرها في نصف الكرة الشمالي حتى الآن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات