انشقاقات في إيران

تزداد حدة الصراع في إيران بين المرشد الأعلى خامنئي، ورئيس الجمهورية حسن روحاني، إلى حد يكاد يقسم البلاد ويهددها بالحرب الأهلية، فقبل أسابيع، اضطر رئيس الجمهورية إلى الهرب من مسيرة الجمعة الأخيرة من رمضان، التي تخصصها الحوزة الإيرانية لذكرى احتلال مدينة القدس، عندما وجد روحاني نفسه محاصراً وسط جموع المحافظين أنصار خامنئي، الذين تعالت هتافاتهم بسقوط روحاني، الذي سوف يلقى مصير أبو الحسن بني صدر، الذي نفي من البلاد لأنه خرج على خميني عام 1981، رافضاً استبداد قراراته.

منذ أن خرج الصراع بين الرجلين خامنئي وروحاني إلى العلن، إثر الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والمرشد الأعلى لا يتوقف عن التشهير برئيس الجمهورية، واتهامه بأنه يكرر مأساة الحسن بني صدر، ويحاول قسمة البلاد إلى خصوم ومؤيدين، مؤكداً أن ذلك لن يتكرر مهما تكن النتائج، وأن الذين يكررون الخطأ ذاته، سوف يلقون المصير نفسه، وقد اعتبر المحافظون أنصار خامنئي، أن إشاراته السلبية لروحاني، تمثل ضوءاً أخضر يمكنهم من استباحة روحاني والعمل علي سرعة عزله، قبل أن يصبح خطراً على مصير الثورة الإيرانية.

تناصرهم فئات واسعة من المجتمع الإيراني، من بينها المرأة وتجار البازار ونسبة عالية من الأكاديميين وأساتذة الجامعات وأصحاب المهن الحرة، شكلوا منذ حكم محمد خاتمي تياراً قوياً زاد من قوة الإصلاحيين، ومكنهم من إلحاق هزيمة قاسية بالمحافظين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عندما فاز روحاني على منافسه في انتخابات الرئاسة الأخيرة، إبراهيم رئيسي، واحد من أهم أقطاب جماعة المحافظين المقربين من المرشد الأعلى والمرشحين لخلافته، لكن روحاني سحقه في الانتخابات الأخيرة.

يبدو أن روحاني تجاوز الخط الأحمر، عندما طالب بأن يكون اختيار المرشد الأعلى بالانتخاب، فضلاً عن احتفائه الشديد خلال الحملة الانتخابية بالرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، وتعهده بالإفراج عن مهدي كروبي وعدد من قادة الإصلاحيين الموقوفين في منازلهم لا يستطيعون مغادرتها.

ولأن روحاني تجاوز كثيراً المرشد الأعلى، وحاز منصب رئيس الجمهورية بهذا الفارق الضخم في الأصوات، اعتماداً على مساندة المرأة والشباب وتجار البازار، ورغماً عن أنف المرشد الأعلى الذي يسيطر على الأمن والمخابرات والإعلام والحرس الثوري، أصبح وجود روحاني يمثل تهديداً مباشراً لسلطة المحافظين في إطار برنامجه، الذي يستهدف الحفاظ على الاتفاق النووي بين إيران والغرب، وتوسيع الحريات، وإسقاط أسوار العزلة عن إيران، لكن مصدر التوجس الرئيس للمحافظين من نجاح روحاني، يكمن في إحساس المحافظين المتزايد بأن مساحة تأثيرهم في المجتمع الإيراني تقل على نحو متزايد لصالح الإصلاحيين.

يكاد النزاع بين المعسكرين يصل الآن إلى ذروته، بعد إلقاء القبض على فريدون حسين شقيق الرئيس روحاني، مساعد رئيس الجمهورية، وأحد كبار الذين شاركوا في مفاوضات الاتفاق النووي مع الجانب الأميركي، في اتهامات مالية تتعلق بالإجراءات، ولا ترقى إلى حدود الجريمة، يعتقد مؤيدو حسن روحاني، وينتمي معظمهم إلى تيار الإصلاحيين، أنها جزء من تخطيط يشارك فيه المرشد الأعلى خامنئي، هدفه تشويه صورة الرئيس روحاني، والعمل على إفشاله، تمهيداً لإقصائه، بعد أن فشل المحافظون في إسقاطه في انتخابات الرئاسة، خاصة أن اعتقال فريدون جاء قبل أيام من موعد حلف اليمين الدستورية للرئيس روحاني.

في خضم خلافاته المتصاعدة مع المرشد الأعلى، الذي اتهم روحاني بصورة تكاد تكون مباشرة، بمحاولة تمزيق وحدة الثورة الإسلامية، والسير على نهج رئيس الجمهورية الأسبق أبو الحسن الصدر، الذي تم إقصاؤه من الحكم ونفيه خارج البلاد، عندما اختلف مع المرشد الأعلى السابق.

يزيد من تصميم تيار المحافظين على حصار روحاني والعمل على إقصائه، إحساسهم بعد فوز روحاني أنهم فقدوا سيطرتهم على الشارع السياسي في إيران، رغم ما يملكونه من أسباب القوة.

هذا في حد ذاته يشكل متغيراً مقلقاً، يعيد إلى ذاكرة المحافظين، مشهد الثورة الخضراء التي شارك فيها الشباب الإيراني بنسب عالية، كما شاركت فيها المرأة الإيرانية التي ضاقت ذرعاً بقيود المحافظين وكبتهم الشديد للحريات العامة والخاصة، وكان يمكن أن تؤدي إلى إسقاط حكم الملالي، لولا أن تم قمعها بقسوة بالغة.

ما يزيد من حدة الصراع الداخلي في إيران، حدة الصراع بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي حول مصير الاتفاق النووي الإيراني، وكيفية التعامل مع طهران، ففي حين تعتقد إدارة الرئيس الأميركي ترامب أن الاتفاق النووي مع طهران يحتاج إلى مراجعة شاملة تلزم إيران وقف تجاربها الصاروخية.

 

وأن الوسيلة المثلى لتحقيق هذا الهدف، تكمن في فرض عقوبات جديدة على إيران، يعتقد الأوروبيون بضرورة احترام الاتفاق النووي، خاصة أن الوكالة الدولية للطاقة النووية، أكدت التزام طهران بتنفيذ كافة بنوده، وأن فرض عقوبات جديدة على إيران.

ربما لن يكون مجدياً، وسوف يستغلها تيار المحافظين لإحكام قبضتهم على حكم طهران، بينما يمكن لبناء علاقات طبيعية مع إيران، والمشاركة الغربية الواسعة في مشروعاتها الاستثمارية الضخمة، وتنشيط علاقاتها التجارية مع العالم الخارجي في سوق نشيطة مفتوحة، أن يؤدي إلى تقوية تيار الاعتدال داخل الحوزة الحاكمة، ولا يزال الصراع مستمراً على الجبهتين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات