محاربة الإرهاب أولوية عالمية

مثلما تفكر دول جنوب أوروبا خاصة إيطاليا في تحجيم عمليات الإنقاذ، التي تتم في البحر الأبيض لمواجهة الأعداد المتزايدة من المهاجرين، الذين يغامرون بركوب قوارب متهالكة من الساحل الليبي غالباً ما تغرق بركابها عرض المتوسط، تحاول الإدارة الأميركية التضييق على الهجرة بوسائل وإجراءات أخرى، أهمها فرض شروط تعجيزية صارمة تمنع دخول القادمين الجدد من دول إسلامية، وبناء حائط ضخم بطول حدود المكسيك مع الولايات المتحدة لمنع المهاجرين من أميركا اللاتينية.

وكذلك في قضية المناخ التي تشكل واحداً من أهم أسباب الخلاف بين الموقفين الأميركي والأوروبي ثمة جهود جديدة يبذلها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أصغر رؤساء فرنسا على مدى عقود طويلة لإقناع صديقه الجديد ترامب أحد أكبر الرؤساء الأميركيين الذين دخلوا البيت الأبيض بضرورة أن يتراجع عن موقف الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، بحيث تشارك الولايات المتحدة دول العالم في خفض نسب الانبعاثات الكربونية لمنع درجة حرارة الكون من الارتفاع إلى حد الخطر، لأن انسحاب واشنطن من اتفاقية المناخ يمكن أن يقوض التزام الجميع بالحصص المفروضة على كل دولة، بينما يتعلل الرئيس ترامب بأن الانبعاثات الكربونية التي تطلقها الصين هي الأضخم والأخطر على مصير كوكبنا الأرض يليها الانبعاثات التي تصدرها الهند، وأن الدولتين تستخدمان الطاقة الحرارية في معظم مجالات الصناعة دون الالتزام بخفض نسب التلوث بما يقلل من تكلفة الإنتاج خاصة في صناعات الحديد التي لا تراعى شروط الحفاظ على البيئة وتحقق للدولتين ميزة تنافسية في الأسواق على حساب صناعة الحديد في الولايات المتحدة.

رغم ذلك يعتقد الرئيس الفرنسي أن الأمل كبير في أن يتراجع ترامب عن موقفه ويعود للانضمام إلى معاهدة باريس، خاصة أن معظم الشركات الأميركية الكبرى لا توافق الرئيس ترامب على موقفه، ولا تعتقد أن الحل الصحيح هو انسحاب أميركا من اتفاقية باريس، وأن الحل الصحيح من وجهة نظرها هو المزيد من الاستثمار في مشروعات الطاقة الجديدة التي تحقق عائداً أكبر.

مع تشعب أسباب الخلاف الأوروبي- الأميركي وتفاوت خطورة هذه الخلافات على علاقات الطرفين وعلى أمن الشرق الأوسط واستقراره فهناك ضوء مهم في نهاية هذا النفق، يتمثل في توحد مواقف الأوروبيين والأميركيين على أن الإرهاب هو الخطر الأكبر الذي يهدد الشرق الأوسط والعالم أجمع ويلزم المجتمع الدولي بأكمله ضرورة الاصطفاف في جبهة واحدة قوية تستطيع حصاره وتصفيته، كما يلزمه اتخاذ كل الإجراءات التي تجفف منابع تمويله وتتعقبها وتعاقبها إلى أن يمتنع الجميع بصورة مطلقة، لأن الحرب على الإرهاب والسكوت على مصادر تمويله متناقضان أساسيان يستحيل اجتماعهما، لأن اجتماعهما يجعل من هذه الحرب عملاً بلا معنى تماماً مثل محاولة الحرث في البحر.

المؤكد أن توحد الموقفين الأوروبي والأميركي على ضرورة اجتثاث جذور الإرهاب يتيح فرصاً واسعة للدول المتضررة من الإرهاب خاصة مصر أن ترفع صوتها عالياً في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية تطالب بعقاب كل من يمد الإرهاب بأي من صور العون المادي والمعنوي حتى إن ترتب على هذا الموقف نقل قاعدة العديد الأميركية من قطر إلى أي مكان آخر كما قال الرئيس ترامب، لأنه ما لم يتم تجفيف مصادر تمويل جماعات الإرهاب ويساند العالم أجمع المعركة الضخمة التي تخوضها مصر ضد هذه الجماعات فسوف يستمر الإرهاب وربما ينتشر ويقوى، ليهدد أمن العالم أجمع وليس فقط منطقة الشرق الأوسط، بل لعلني أذهب أبعد من ذلك لأقول إنه لو لم ينكسر الإرهاب على صخرة مصر وينال على أرضها هزيمة منكرة فلن يتمكن العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من النجاة من خطر الإرهاب، وهذا ليس نوعاً من الشيفونية الوطنية ولكنها الحقيقة المؤكدة التي تفرضها عبقرية المكان المصري التي تتبلور في أخطر نقطة لوجستية هي مفترق كل الطرق وكل القارات في العالم أجمع، تريد جماعات الإرهاب من كل ملة ابتداء من داعش إلى القاعدة إلى جماعة الإخوان السيطرة عليها، لأن السيطرة عليها لا قدر الله يعنى سقوط الشرق الأوسط بأكمله في يد جماعات الإرهاب بما يمكن هذه الجماعات من السيطرة على حجم هائل من القدرات والثروات الطائلة تمكنها من زعزعة أمن العالم واستقراره، شمالاً ابتداء من البحر الأبيض وصولاً إلى الأمن الأوروبي وأمن الولايات المتحدة وجنوباً من البحر الأحمر إلى باب المندب الخانق الذي يحكم التجارة الدولية جنوباً وصولاً إلى الصين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات