بعد فترة قصيرة من هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، اختلفت في الرأي مع صديق لي قال إنني كنت مخطئاً في تأييدي لغزو أفغانستان لاقتلاع تنظيم القاعدة من هناك ومعاقبة حركة طالبان، وقلت إن الولايات المتحدة ليس لديها خيار سوى جعل إرهابيي القاعدة ومضيفهم يدفعون ثمناً غالياً لما اقترفوه من اعتداء على التراب الأميركي، والغريب أن هذا حدث قبل 16 عاماً.
لقد تحولت أفغانستان إلى منطقة حرب من دون نهاية في الأفق، ولا يمكن للولايات المتحدة الفوز فيها، كما لا يمكنها تحمل الخسارة، وتستهلك تلك البلاد الثروة والأرواح الأميركية، فقد سقط هناك أكثر من 2300 جندي أميركي، وتم إنفاق ثروة هائلة على الحرب تقدر بنحو 828 مليار دولار.
والجنرالات الذين قادوا تلك الحرب أصبحوا متقاعدين منذ أمد طويل، كما أن الجنود الذين قاتلوا هناك في أوج الشباب يقتربون الآن من منتصف العمر. ولم يستطع البريطانيون ولا الروس السيطرة على تلك البلاد، وهي في الحقيقة ليست دولة حقيقية بل مرض مزمن ليس إلا.
ومثل العديد من الإدارات التي سبقتها، مثل إدارتي باراك أوباما وجورج بوش، فإن إدارة ترامب تفكر بطريقة جديدة، وفي هذه المرة، لا يوجد تاريخ مؤكد بشأن إنهاء التورط الأميركي في أفغانستان. فبعض السفهاء في عهد إدارة أوباما نصحوا طالبان بالانتظار والصبر، وسيرحل الأميركيون من بلادهم حتماً، وقيل إن ترامب ترك القرارات المتعلقة بعدد القوات الأميركية هناك بيد وزير الدفاع جيم ماتيس، وهو ضابط متقاعد من مشاة البحرية الأميركية، ورجل يمتلك شجاعة متهورة.
ولكن يقال إن ماتيس راقت له خطة طورها ضابط مشاة البحرية السابق ورجل الأعمال الحالي إريك برينس، تستلزم تحويل جزء من الجهود المتعلقة بحرب أفغانستان إلى ضباط أوروبيين محترفين، وهم ما نسميهم بالمرتزقة.
وهذا المصطلح له دلالة بغيضة، ولكن لا مفر منها. ويقصد برينس بالأوروبيين، البريطانيين، الفرنسيين، الإسبان، وغيرهم في تلك القارة ممن لهم خبرات قتالية كجنود. وكما هي الحال الآن مع الأميركيين، فلن يتم اقتلاعهم من تلك البلاد بعد فترة محددة من الزمن، وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستباشر مهامها من جديد. وسيحصل كل جندي من هؤلاء على نحو 600 دولار يومياً مقابل قيادة القوات الأفغانية والاندماج معها. تماماً كما يحدث مع قوات العمليات الخاصة الأميركية الآن. والمشكلة أن الولايات المتحدة لديها عدد محدود من هذه القوات في أفغانستان.
لقد استعرت مصطلح «جنود أوروبيون محترفون متقاعدون» من مقال كتبه برينس في صحيفة «وول ستريت» أخيراً، ويبدو أن الرئيس الأميركي قرأ هذا المقال وأثار إعجابه، جيد، فهذه الخطة لها مزاياها، وأوضح مزية فيها أن أي خطة أخرى لم تنجح، والمزيد من الخطط ستفرز نتائج مشابهة. كما توجد صعوبات في تطبيق هذه الخطة، ويتمثل ذلك في مصدرها. فبرينس هو أحد مؤسسي الشركة الأمنية المثيرة للجدل بلاك ووتر، والتي قام ببيعها منذ ذلك الحين. وخلال امتلاكه لها، فتح مرتزقتها النار في ساحة النسور ببغداد وقتلوا 17 مدنياً وجرحوا 20 آخرين.
ومع بقاء برينس مثيراً للجدل، فإنه يظل يحظى بالنفوذ، فهو ضابط سابق في القوات الخاصة في مشاة البحرية، ويتاح له الدخول إلى البيت الأبيض ووكالة المخابرات الأميركية (سي آي إيه)، وشقيقته هي بيتي ديفوز، وزيرة التعليم الحالية.
وهو يدلل على خطته الخاصة بأفغانستان منذ أكثر من عام، في حين أنها توصف في أغلب الأحيان بمصطلح ازدرائي، أي أن هدفها هو الربح.
ويدعي برينس أن لها تاريخ عريق. فقد استخدمت شركة الهند الشرقية التي امتلكها البريطانيون في الماضي، جنوداً متعاقدين أوروبيين لحكم الهند أكثر من 100 عام. ويشير برينس إلى الحكم الاستعماري بإعجاب. وحتى أنه أعاد إحياء عبارة «نائب التاج» ليصف الشخص الذي سيوجه السياسة الأميركية في أفغانستان. وبحسب إحصاءاته، كان لدى الولايات المتحدة 17 قائداً عسكرياً في السنوات الخمس عشرة الماضية، ولا يشمل ذلك السفراء، رؤساء المخابرات الخارجيون، وبالطبع المبعوثون الخاصون الذين يتعذر اجتنابهم، أمثال ريتشارد هولبروك، الذي بدد أوباما عبقريته وطاقته. وكل هؤلاء يتوقف عملهم، بينما يدير نائب التاج الأمور.
تعتبر الحرب الأفغانية أطول الحروب في التاريخ الأميركي، وفقدانها سيتيح تحول الولايات المتحدة إلى ملاذ للإرهابيين. والفوز في هذه الحرب سيتطلب التزاماً بتوفير قوى عاملة وهو ما لا ترغب واشنطن بتنفيذه. وفي غضون 16 عاماً تقريباً، تحول القتال في أفغانستان من قضية نبيلة إلى أعباء مرهقة والتزامات شاقة. لا أدري إذا كان لدى برينس الجواب، ولكن هل ابتدع طريقة لمواصلة القتال بحد أدنى من الأرواح والأموال الأميركية؟ وهل تنجح خطته؟ لا أدري، ولكن لم ينجح أي شيء آخر.