لا يزال للحكمة مجال

مخطط إعادة تقسيم المنطقة العربية، أو إعادة هيكلتها حسب وصف مهندسي الجيوسياسة، يقترب من محطة مهمة وخطرة يتكالب نحوها كل شركاء الهدف.

والهدف إعادة بعثرة الدول الوطنية العربية لتعود أقاليم ومناطق أشبه بدول الطوائف في عصور الانحطاط الإسلامي، وتبدو الأزمة القطرية بتداعياتها الخطرة وكأنها الباب الذي تحاول قوى الشر العالمية فتحه من داخل البيت الخليجي، بعد أن فشلت كل المحاولات والخطط السابقة عبر فوضى الخريف العربي لقلب الأوضاع في المنطقة وإلحاقها بحال دول جمهوريات الفساد والاستبداد العربية.


التكهنات والسيناريوهات انطلقت منذ سنوات ترسم صوراً لتغيير في الخرائط وتبدُل في الأوضاع.

وقد تماهى مع أحلام اليقظة هذه عدد من المحللين والمفكرين والسياسيين العرب والخليجيين وكأنهم يدقون دفوف الاستعداد للقفز على ظهور الجياد الغازية، ليتسلموا دور الوكيل المعتمد.

ويظنون جهلاً أنهم يتبادلون المصالح مع الغريب الطامع ليكونوا هم البديل في المستقبل.

اشترك في هذه السيناريوهات أحزاب الإسلام الحركي، الذي اعتمد الانتهازية منهاجاً، وظن أنه الكيّس الفطن الوحيد من بين القوم، فضَل وأضل حتى أصبح أداة في يد القوى الدولية الشريرة، وغريمهم المعاكس الذي طنطن وطبل وزمر للنموذج الغربي ولم يوفر جهداً ولا وسيلة للطعن في منظومة القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية في بلاد العرب والمسلمين، معتقداً أن الرقص على أنغام الضجيج هو الأكثر لفتاً للنظر.


ربما يكون هذا هو حال الأحزاب والحركات السياسية والتيارات الأيديولوجية التي تتخذ من قصر النظر منهاجاً وفكراً والانتهازية سلوكاً وبرنامجاً، ولكنه يصبح عصياً على الفهم إذا تبنته دول وحكومات هي في قلب دائرة الحدث، وقريبة جداً من أي نيران قد تشتعل، فكل الأوهام بأن تفكيك دول المنطقة العربية وتمزيق الكبرى منها سيحقق توازناً في القوى، ويوفر أفضلية وزعامة مدعومة من الخارج هو اندفاع فعلي نحو الانتحار.

ولا يمكن أن يكون ذلك الثور الأبيض أكثر فهماً لحاله بعد أن رمى بأخيه إلى فم الأسد من قيادة دولة تحيط نفسها بمؤسسات ومستشارين وخبراء، إلا إذا كان المستشارون والخبراء من أشبال ذلك الأسد الطامع.


الأزمة القطرية تشتد وتشد معها منطقة الخليج وكل المنطقة العربية إلى منعطف خطر.

والأمل أن تشتد الأزمة لتنفرج، بأن تعي القيادة في قطر بأن محيطها الناصح أقرب إليها بكثير من البعيد الطامع، وأن نيران الفتن إذا اشتعلت لا سمح الله فستبدأ بيد مشعلها، فلا يزال في الوقت بقية ولا يزال للحكمة مجال، لتعود الدوحة إلى دارها، وتسند ظهرها على أشقائها الأحرص على أمنها وسلامتها بدلاً من الاتكاء على غريب ينتظر لحظة السقوط ليتلقف نصيبه من الصيد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات