هل يعرف أحد ما كيف تنفق بلاده على التسليح؟، وما حجم القوات المسلحة بالفعل، وما نظم التسلح المستخدمة، وما مقدار الدخل القومي المخصص للقوات المسلحة؟.

عندما يشتكي ناشط من حزب العمال اليساري في المملكة المتحدة من عبء التسلح، أو عندما يلجأ أحد المحافظين إلى انتقاد الإضعاف الممنهج لإدارة أوباما السابقة في مجال الدفاع في البلاد، فهل يعرف هؤلاء عم يتحدثون؟.

هل تعتبر ادعاءاتهم حقيقية بالفعل؟

عندما يقرأ المرء عن القوة العسكرية الروسية الموجودة تحت إمرة فلاديمير بوتين، هل يعني ذلك أن القوى الموجودة تحت قيادة موسكو عظيمة، على غرار ما كانت عليه أيام بريجنيف أو حتى ستالين، كم يعتبر الجيش الصيني ضخماً في الوقت الحاضر، وبالنسبة إلى العلماء والصحافيين، والعاملين في ميدان سياسات الدفاع، فإن هناك مصدرين كبيرين غير حكوميين للبيانات، يعتمد عليهما في العالم الغربي.

أحد هذه المصادر، هو معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، والذي ارتقى عن هدفه الأصلي الذي وضعه في الحرب الباردة، والساعي إلى رصد حجم وأنماط سباق التسلح بين الشرق والغرب، ليصبح مصدراً للمعلومات عن الإنفاق الدفاعي العالمي، وعن مبيعات الأسلحة والتكاليف الاقتصادية لا يقدر بثمن.

من المصادر الأخرى، المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي يتخذ من لندن مقراً له، والذي ينتج الكثير من أوراق السياسات القديمة.

ومن ثم، فإن هناك قواعد بيانات من كل الأنواع، يمكن أن يتحقق أي أحد في العالم منها، وحتى عندما لا تتوافق الإحصاءات، فسيكون من المفترض على كل مؤسسة أن توضح في الملاحق ما هي مصادرها ومناهجها، بحيث يمكن للقارئ أن يراها.

هناك طريقتان مثيرتان للاهتمام، يستعين بهما خبراء الدفاع، مستخدمين الإحصاءات الأولية، الأولى من خلال المحللين العسكريين، وهناك ضرورة للأخذ بعين الاعتبار، كيف تنفق بلاد ما، على خدماتها المسلحة، وماذا تختار كي تشتري، وكم تستخدم من الأسلحة الرئيسة؟.

الثانية من خلال اقتصاديي الدفاع، والمطلوب هو أن نسأل عن ماهية حصة الناتج المحلي الإجمالية المكرسة للجيش، أو ما هي الأعباء الملقاة على عاتق البلاد، والتي تعتبر من النفقات الدفاعية العالية. ويعتبر مصطلح الأعباء، بالطبع، مصطلحاً ذا علاقة، وبصفة عامة، فإن الناتج المحلي الإجمالي المخصص للدفاع، أقل بكثير بالنسبة إلى معظم البلدان اليوم مما كان عليه قبل 30 أو 50 عاماً، خلال الحرب الباردة.

على سبيل المثال، وبالنسبة إلى الصحافة البريطانية الليبرالية، ولا سيما تلك المعنية بحزب العمال، بزعامة جيرمي كوربين، فيبدو أن إجمالي نفقات الدفاع في المملكة المتحدة لعام 2015، تبلغ 55 مليار دولار، وتعتبر فاتورة ضخمة بالنسبة إلى بلد كبريطانيا، ولديه حاجة كبيرة لاستثمار المزيد في نظامه الوطني للرعاية الصحية ومدارسها.

وليكون المرء على صواب أكثر، هل تعتبر البلاد حكيمة في تخصيص هذه المبالغ الكبيرة جداً لحاملات الطائرات الجديدة، وللحفاظ على أسطول الغواصات الاستراتيجي؟.ماذا لو اختارت بريطانيا طريق اليابان للاستثمار في الغواصات الأكثر تقليدية؟

إلا أن الاختيارات اليابانية على غرار بريطانيا، تعكس الشكل الذي تريده الحكومة لبلادها على ما يبدو. وبالنظر إلى تاريخها السابق ومزاجها العام، فلا تريد اليابان رادعاً نووياً، كما أنها ترغب في إبقاء الإنفاق الدفاعي منخفضاً بنسبة تصل إلى 1 % من إجمالي الناتج المحلي.

إنفاق الولايات المتحدة الضخم، البالغ 596 مليار دولار أميركي عام 2015، مقارنة مع مجمل الإنفاق الدفاعي، إلا أن الفرق يقل كل عام، بما يتماشى مع النمو الاقتصادي الأسرع في الصين، ويقول معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، إن أجمالي إنفاق الصين يصل إلى 214 مليار دولار أميركي، ويقول المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن الإنفاق يصل إلى 146 مليار دولار.

وفي الوقت الحاضر، تكرس أميركا نحو 3.3 % من ناتجها المحلي الإجمالي لجيشها، وهي حصة أكبر بكثير من حصة أي من حلفائها الرئيسين في حلف شمال الأطلسي، وحتى بعد الانخفاضات النسبية للإنفاق العسكري في سنوات أوباما، قد يظل الإنفاق الدفاعي الأميركي أكثر من ثلث إنفاق العالم كله.

نحن نعيش في منطقة آمنة نسبياً، ويتحمل عالمنا الحرب الأهلية، والصراعات الداخلية والدول الفاشلة، وبعض سباقات التسلح الإقليمية، ولكن توترات القوى العظمى في أوائل الثلاثينيات والستينيات مفقودة، وإنفاقنا على الدفاع اليوم أقل بكثير. وقد يقول المرء إن من الممكن تحمله.

ليس هناك من قانون سحري، ولا أي ضمان من أن ذلك سيستمر إلى أجل غير مسمى بطبيعة الحال، حتى لو أن الكثير من الديمقراطيات وقادتها يأخذون هذا المستوى من الإنفاق على نحو أكيد، وليس هناك أي حاجز يمنع جعل الإنفاق يصل إلى ضعفين أو أربعة أضعاف نسبته الحالية.

إلا أن مثل هذه القفزة القوية، قد تعني بالضرورة أننا نعود إلى زمن الحروب، أو على الأقل إلى زمن الحرب الباردة، وشروطها مجدداً، وعندما يتم الأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأمور، ربما قد نصبح ممتنين لأن العالم أصبح شفافاً جداً.