قراءة في نتائج قمة اليوم الواحد

قد لا تكون قمة عمّان قد حققت المعجزات لتعيد التضامن العربي إلى أزهى عصوره، وتقطع دابر الخلافات العربية العربية وتدفنها في رمال البحر الميت، وتضع خاتمة للحروب الأهلية الثلاثة في اليمن وسوريا وليبيا، وتعيد عشرات الملايين من المهاجرين العرب الذين غادروا أوطانهم تحت وطأة هذه الحروب إلى بلادهم، وتستعيد العمل العربي المشترك من كبوته الطويلة، وتوحد إرادات العرب السياسية بعد طول تمزق وشتات.

قد لا تكون قمة عمان قد نجحت في الوفاء بكل هذه الأمنيات لأن عصر المعجزات قد ولى منذ زمن بعيد، ولأن سبعة أعوام عجاف من ربيع عربي زائف لابد أن تترك آثارها على وجه عالمنا العربي، لكن ما من شك في أن العرب باتوا أفضل حالاً مما كان عليه الوضع قبل انعقاد القمة، وأصبح في إمكانهم أن يأملوا خيراً فيما هو قادم بعد أن نجحوا في قمة عمان على الأقل في وقف حالة التبعثر والتدهور التي أخذت العالم العربي إلى مفترق طرق ليصبح السؤال المهم أمام الجميع: هل تكون أو لا تكون.

نعم,لا تزال الحرب الأهلية تشتعل في عدد من أماكن سوريا،ولا يزال بشار الأسد يحكم دمشق رغم تدمير عشرات المدن ومئات القرى وسقوط ما يقرب من نصف مليون قتيل ولا تزال المباحثات السياسية بين الحكم والمعارضة تتعثر في صيف وربما تطول شهوراً تصل إلى أعوام إلى أن تتوافق أطياف السوريين من الحكم والمعارضة على طبيعة المرحلة الانتقالية وكتابة دستور جديد للبلاد وسيل إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة فيما تغوص أيادي القوى الإقليمية الثلاث، إيران وتركيا وإسرائيل في عمق المشكلة السورية، ولا تجد من يوقفها.

وفي اليمن لا تزال الحرب الأهلية ويتساقط كل يوم المزيد من الضحايا المدنيين ويشح الغذاء والماء والدواء إلى حد المجاعة،ولا يختلف الوضع كثيراً في ليبيا حيث لا تزال الخلافات تباعد بين الشرق والغرب والجنوب.

نعم, لم تنجح قمة عمان في اختراق أي من هذه المشكلات الثلاث التي كثرت أعداد لاعبيها من القوى المحلية والإقليمية والدولية، لكن ثمة ما يشير إلى أن ثمة قمة عمان يمكن أن تكون نقطة تحول جديدة تلزم العرب بالتمسك بالحد الأدنى من التضامن العربي أملا في أن يتطور ويزداد نمواً ويتحقق المزيد من توحد الإرادات السياسية ويصبح عزم العرب على ضرورة استعادة حلول مشكلاتهم داخل البيت العربي ويقدرون على كبح توغل تدخلات قوى الخارج في الشأن العربي إلى هذا الحد الفظ والمهين.

ما من شك في أن ضراوة المعركة ضد جماعات الإرهاب التي تزداد انتشاراً في معظم أرجاء عالمنا العربي تكاد تقف على عتبات كل بلد عربي تتهدد أمنه ومصيره، تشكل أخطر التحديات التي مكنت قمة عمان من هذا التطور الحاشد، أملا في الخروج من حالة الشتات والتمزق التي عطلت القدرة العربية المشتركة على مواجهة أخطار مصيرية يصعب على أية دولة عربية أن تواجهها منفردة بعد أن أصبح الإرهاب عابراً للقارات، يلقى مساندة قوى وجماعات ودول بعضها مع الأسف عربية، تمول هذه الجماعات وتعطيها ملاذاً آمناً وتمكنها من عبور أراضي الآخرين وصولا إلى أهدافها، ورغم الإدانة الواضحة للإرهاب التي صدرت على ألسنة جميع القادة العرب الذين تحدثوا إلى القمة، لم تصل قرارات القمة بعد إلى حد الاجتراء على عقاب كل من يمد العون إلى جماعات الإرهاب.

ما من شك أيضا في أن انعقاد القمة في عمان في هذه الظروف العصيبة وبهذا الحشد الكبير يشكل في حد ذاته بادرة نجاح مهماً تؤكد حرص القادة العرب على الخروج من هذا المأزق الخطير، وإحساسهم المتزايد بوحدة المصير وضرورة توحيد الصف العربي في مواجهة الأخطار والمحن والعودة إلى التضامن العربي حتى وإن يكن في حده الأدنى أملا في نموه وتعظيمه كما يعكس تقديرهم البالغ لمؤسسة القمة باعتبارها طوق النجاة أمام الأخطار المحدقة التي تتصدر أمن العالم العربي ومستقبله،وأظن أيضا أن قمة عمان ترد الاعتبار لدور الجامعة وأمينها العام أحمد أبو الغيط في تنظيم جهود العمل العربي المشترك وتعزيز التضامن العربي رغم محاولات البعض التقليل من شأن الجامعة والتشكيك في جدوى وجودها وأهمية دورها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات