دفاعاً عن منظومة القيم

لأنه لا شيء ثابتاً وباقياً ومطلقاً سوى الله سبحانه وتعالى، وما عداه حادث وطارئ وفانٍ لا يستقر على حال، ابتداء من الميلاد إلى الفناء بما في ذلك الأخلاق، اندثرت الكثير من قيمنا الأصيلة تحت وطأة المشاكل الاجتماعية وبفعل رياح التغيير المتقلبة، والقادمة من الشمال بتأثير الهجرة بحثاً عن حياة أفضل في دول أوروبا.

من المؤكد أن التغييرات المتسارعة التي طرأت على أنظمة الحكم وخياراتها السياسية، كان لها أثرها في اختفاء قيم تلاشت واندثرت، وظهور قيم أخرى أثرت في سلوك الأفراد خاصة بعد أن ضعف دور البيت والمدرسة والمعلم ورجل الدين المعتدل وتنامت أدوار الشلل والأصدقاء والسينما وباقي مؤسسات الإعلام، لتطرح جملة من التساؤلات نفسها في هذا السياق.

فهل نحن بالفعل إزاء قضية محض أخلاقية يمكن مواجهتها وعلاجها من خلال خطة عمل تربوي تنهض بها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية وأجهزة الإعلام؟ أم القضية أكثر تعقيداً وترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية لا يستطيع المجتمع المدني مواجهتها إلا من خلال خطة شاملة، تتوزع مسؤولياتها بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني؟!

وهل نحن إزاء قضية محض دينية يكفي لمواجهتها تجديد الخطاب الديني، أم إن تجديد الخطاب الديني يشكل جزءاً من رؤية متكاملة لمستقبل مجتمع يستهدف تحسين جودة حياته وإقامة حكم رشيد تتوازن فيه حقوق الدولة وحقوق الأفراد من خلال نظام ديمقراطي يلتزم باحترام حقوق الإنسان وتوسيع مشاركته المجتمعية بما يمكنه من تحصين حرياته الأساسية والفردية وفي مقدمتها الحرية الشخصية.

وما هي الأولويات الصحيحة إن كانت عملية إصلاح الأخلاق واستعادة القيم على هذا القدر الكبير من الاتساع الذي يشمل محاربة الفقر وتقليل أخطاره وتحسين جودة حياة البشر وترسيخ الحق الديمقراطي للأفراد، وإصلاح المؤسسات التعليمية والتربوية وتجديد الخطاب الديني؟!

أغلب الظن أن قضية إصلاح الأخلاق واستعادة منظومة القيم الأصيلة هي في جوهرها قضية مستقبل وطن يستهدف إسعاد المجتمع وإسعاد مواطنيه باعتبار أن ذلك غاية الحكم الرشيد وغاية المجتمع المدني التي تتطلب تكاتف كل الجهود لتحقيق تنمية شاملة لا تتوقف عند بناء الحجر بل تمتد إلى بناء البشر.

ومن ثم يصبح الجانب الاقتصادي حرباً على المظاهر المجتمعية المتردية ركناً أساسياً في استعادة الأخلاق وتصحيح منظومة القيم، ولعلنا نتذكر هنا قول أبي ذر الغفاري (ما دخل الفقر بلداً إلا قال له الكفر خذني معك!).

وأظن أيضاً أنه برغم الدور المهم للدين في قضية الأخلاق والقيم باعتباره الوازع الرئيسي الذي يصون ضمير الإنسان ويحفظ نقاءه ويقظته والوازع الإلهي الذي يحفظ للنفس الإنسانية جمالها ويكبح جموح شرورها، فإن قضية الأخلاق والقيم ليست محض دينية مع أن الدين في جوهره يحرص على المحبة والإخاء ويوحد ولا يفرق وينبذ الشطط والغلو والتطرف ويحض على تعارف الشعوب والأمم ويعترف بكل الرسل والأنبياء لا يفرق بين أحد منهم، وينحاز إلى قيم السماحة واحترام عقائد الآخرين، هدفه الأصيل إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة.

وداخل منظومة الإصلاح الواسعة التي تبدأ من الحرب على التردي الاجتماعي إلى تحسين جودة حياة المواطنين استنقاذاً لقيم الأخلاق الصحيحة، يحسن أن يكون التركيز في أي برنامج إصلاحي على أولويات أساسية كي لا يتسع الخرق على الراتق، أولها تنشئة الأجيال الجديدة على احترام قيم السماحة بما يمكنهم من نبذ التعصب والتطرف والعنف وإعلاء قيم العمل والواجب وتعزيز الانتماء الوطني.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات