ما ننتظره في قمة الأردن

استكمالاً للحديث السابق عن القمة العربية المقبلة في عمان، ما من شك في أن صلات العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الجيدة بكل الدول العربية سوف تضمن حضوراً حاشداً ضخماً من الملوك والرؤساء العرب إلى قمة عمان، يتصدره العاهل السعودي الملك سلمان الذي يأتي من إجازته في جنوب شرق آسيا مباشرة إلى الأردن والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والشيخ صباح الأحمد أمير الكويت والرئيس الفلسطيني محمود عباس وآخرون يشكلون غالبية القادة العرب.

لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة المضيفة رغم هذا الحشد الضخم من الرؤساء والملوك يكمن في مدى قدرة الأردن يعاونه أمانة الجامعة العربية على إقناع القادة العرب بضرورة توسيع نطاق الجلسات التشاورية المغلقة التي تمكن القادة العرب من إدارة حوار حقيقي شفاف يساعدهم على تصفية خلافاتهم وتحقيق المصالحة الشاملة.

ويمكنهم من التوافق على استراتيجية واضحة المعالم تعيد للعمل العربي المشترك دوره المأمول في استنهاض الأمة، وتنظم جهودهم دفاعاً عن مصالحهم ومصائرهم في خطة دفاع مشترك تتصدى لمخاطر الإرهاب ومحاربة جماعاته وفكره، تضمن التزام كل الدول العربية بضوابط واضحة تمنعها من تقديم أي عون مادي أو معنوي لهذه الجماعات بما يضمن تجفيف منابعها المالية وعدم إعطائها ملاذات وممرات آمنة.

لأنه من غير المعقول وغير المقبول أن يعترف العرب جميعاً بخطر الإرهاب الذي يدق جميع أبوابهم دون استثناء ثم يتقاعسون عن المشاركة في جهد جماعي منظم يمكنهم من كسب هذه الحرب واجتثاث جذور هذه الجماعات، وثمة ما يشير إلى رغبة الأردن في أن يصدر عن قمة عمان إعلان سياسي هام يبلور المواقف المشتركة للدول الأعضاء في مواجهة هذه التحديات، ويحدد خطوات المستقبل في إطار استراتيجية شاملة يلتزم بها كل الأعضاء.

وتتقاطع مع رغبة الأردن وعدد من الدول الأعضاء بينها مصر في قمة غير تقليدية تؤذن بمرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، رؤية عربية أخرى أكثر تحفظاً، تعتقد أن الواقع العربي الراهن لا يتحمل في هذه الفترة العصيبة أفكاراً كبرى تستهدف إعادة هندسة سياسات وأوضاع العالم العربي على نحو شامل، بقدر حاجته إلى تهدئة شاملة تساعد العالم العربي الذي يزداد تفتتاً وتمزقاً على وقف انحداره إلى هذا الدرك الصعب بما يمكنه من التقاط بعض أنفاسه، بحيث تصبح الأولوية المطلقة لوقف القتال وإسكات المدافع وإزالة رائحة الدم التي تفوح من أرجاء كثيرة في العالم العربي.

وفي ضوء هذه الرؤية المتحفظة ربما يكون توافق قمة عمان على تخصيص جلسة واحدة مغلقة لمشاورات شفافة تجري بين القادة العرب إنجازاً كبيراً لا يستهان به، خاصة إذا شملت هذه الجلسة التشاورية ملف المصالحات العربية الذي يشهد جهوداً كبيرة تجري في الكواليس العربية قبل انعقاد القمة يشارك فيها الأردن والإمارات والكويت، تساعد بالضرورة على استعادة التضامن العربي .

وتقريب المواقف المتباينة في الأزمة السورية بما يعجل بإنهاء الحرب الأهلية وإنجاز تسوية سياسية تقبلها كل الأطراف، تعطي للسوريين القول الفصل في قضية مصير الرئيس بشار الأسد، من خلال انتخابات رئاسية جديدة تجري تحت إشراف الأمم المتحدة، يشارك فيها كل السوريين في الداخل والمهجر.

ولأنه ليس بالسياسة وحدها تنجح القمم العربية، يعتقد تيار كبير داخل القمة أنه سوف يكون من حسن الفطنة أن تركز قمة عمان على تحقيق ما يمكن تحقيقه من بنود سياسية يزدحم بها جدول أعمال القمة يصل عددها هذه المرة إلى 16 بنداً، لكن تركيزها الأكبر ينبغي أن يكون على القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تستهدف تعزيز البنية الأساسية في العالم العربي بما يمكنه من تحقيق تواصل مستمر من خلال طرق وموانئ وممرات جديدة.

وإرساء الشروط الصحيحة لقيام السوق العربية المشتركة التي طال انتظارها، وتحسين خدمات الصحة والتعليم والثقافة، والتوافق على مشروع تنموي ضخم يستوعب آمال شباب العرب الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان عالمنا العربي، ويتوقون إلى تغيير شامل في أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية يرتفع بمستوى جودة حياتهم ويمكنهم من أن يكونوا شركاء حقيقيين في صنع مستقبل وطنهم.

وسواء نجحت جهود الأردن في إنجاز قمة غير تقليدية تزيد من فرص التشاور الشفاف بين الرؤساء والملوك أو بقيت القمة على حالها القديم بجدول أعمالها المزدحم الذي يشتمل على بنود معظمها مكرر ومعاد، وتخصيص الجزء الأكبر من وقتها لجلسات علنية مفتوحة يخاطب فيها القادة العرب شعوبهم بأكثر من مخاطبة التحديات والمشاكل الكبرى التي تواجههم على نحو جماعي،.

فالأمر الذي لا شك فيه أن المعيار الصحيح لنجاح القمة العربية كما يراه الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط يكمن في تعزيز فرص العمل العربي المشترك في إطار استراتيجية شاملة يتوافق فيها الجميع على إعطاء الأولوية المطلقة لإطفاء الحرائق التي تشتعل على جنبات عالمنا العربي لأن استقرار المنطقة رهن باستقرار أقطارها.

ولأن الجامعة العربية تظل العنوان الوحيد والجسر الأهم الذي يعبر عن العمل العربي المشترك والمنصة الوحيدة التي تجعل من العمل العربي المشترك عملاً مؤسسياً ينظم جهود العرب الجماعية دفاعاً عن أمن العالم العربي ومصالحه العليا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات