لا أعتقد أن حرية التعبير في مصر، يمكن أن تتعرض لأخطار كبيرة تتهددها أو تضيق عليها الخناق أو تقلل مساحة ونطاق انتشارها، لأن حرية التعبير ترسخت في الشارع والحياة المصرية منذ نكسة 67، وخروج تظاهرات المصريين إلى الشوارع لأول مرة تدعو عبد الناصر إلى الإفاقة واليقظة لما حوله، وتطالب بمحاكمة المسؤولين عن النكسة.

ومنذ هذا التاريخ، ترسخ الحق في حرية التعبير في مصر، ولم يعد مجرد نص يتكرر حرفاً في كافة الدساتير المصرية ابتداء من دستور 1923 إلى الدستور الراهن.

وما من شك أن حرية التعبير في مصر تكاد تكون مطلقة، توفر لها بحكم الدستور والقانون وأحكام وحيثيات المحكمة الدستورية العليا، ضمانات عديدة تمكن الفرد من أن يقول ما يراه حقاً، ويعرضه على الآخرين حتى لو عارضوه، وأياً كان مضمونه، كما تؤكد أن حرية التعبير لا ينبغي أن تكون مقصودة لذاتها، أو مجرد صرخة في فراغ عريض لا يسمعها أحد.

لأن وظيفتها الأصيلة تخلص في تحقيق التغيير بالوسائل السلمية، وإنهاء تفرد السلطة واحتكارها، ومن ثم، لا يجوز تعطيلها بأي من الصور، كما لا يجوز أن يكون القانون الذي يخدم النص الدستوري، ويفسره معولاً ينقض عليها ليفرض الصمت على الآخرين.

وليس لازماً أن تكون الآراء التي تشملها حرية التعبير محددة بصورة قاطعة، أو هي الحق الذي لا يأتيه الباطل أو تحقق مصلحة بعينها، أو تنحصر فيما هو صادق من الأقوال، وكلما تدخل المشرع بتدابير من شأنها تقويض الحماية التي كفلها الدستور لحرية التعبير، كان ذلك منهياً لأهدافها، لأن حرية التعبير هي الحرية الأصل التي لا يجوز أن يتم أي حوار مجتمعي إلا في نطاقها، كما أن حق الفرد في التعبير عن رأيه حق مطلق، ليس معلقاً على صحة أقواله أو تماشيها مع الاتجاه العام في بيئة بذاتها.

إذا كان الدستور والقانون وأحكام وحيثيات المحكمة الدستورية العليا، جعلت من حرية التعبير في مصر، حقاً مطلقاً لا يجوز تقييده، وواحد من الأصول الدستورية الثابتة، كما هو الحال في كل بلد ديمقراطي، فإن الأمر يختلف كثيراً مع حرية الصحافة، لأنه رغم الضمانات التي قررها الدستور المصري بشأن حرية الصحافة واستقلالها في أداء رسالتها.

وحظر الرقابة عليها أو إنذارها أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإداري، إلا أن الدستور المصري شأنه شأن معظم دساتير العالم، لا يكتفي بالتأكيد على مبدأ حرية الصحافة تقديراً لأهميتها، وإنما يترك للقانون أمر تنظيم هذه الحرية، لأن ثمة إجماع عالمي تعكسه معظم دساتير العالم المكتوبة وغير المكتوبة، على أن حرية الصحافة لا يمكن أن تكون مطلقة، شأنها شأن حرية التعبير.

لأن حرية الصحافة، إن لم يتم تنظيمها، يمكن أن تكون وبالاً على حقوق المواطنين، وواجب المشرع، كما تقول أحكام المحكمة الدستورية، وهو ينظم حرية الصحافة، أن يوازن بين المصالح الجديرة بالحماية، بحيث لا يضع من الحدود لهذه الحرية، إلا ما قد يكون لازماً لحماية حقوق أخرى أكثر جدارة بالحماية.

لأن الصحف لم تعد محدودة الانتشار والتوزيع، الأمر الذي يجعل حرية الصحافة بصورة مطلقة، وفي سياق منفلت ودون رابط أو عقال، أمراً عصياً على التحقق، يتطلب وجود ضوابط قانونية دقيقة وشديدة الوضوح، تحفظ للصحافة حقها في الاستقلال، وتحميها من تدخل السلطة وعسفها، بحيث لا تصادر ولا توقف ولا تغلق إلا بحكم قضائي، كما تحميها من تدخل رأس المال، الذي يمكن أن يسيطر عليها عن طريق الملكية والإعلان.

لقد اصطلحت معظم التشريعات التي تحكم الصحافة في العالم، على إمكانية الحد من حريتها لحماية المصالح الأساسية للمجتمع، التي تتمثل على وجه التحديد، أولاً، في حق الدولة في الحفاظ علي أسرارها المتعلقة بالدفاع والأمن الخارجي، وثانياً، في حق نظام الحكم في الدفاع عن شرعيته وهيبته في مواجهة دعوات الانقلاب والتدمير من جانب جماعات العنف والإرهاب.

وثالثاً، في حق الجماعة الوطنية في الحفاظ علي قيمها الأساسية، ورابعاً، في حق الأفراد في حماية حقوقهم الأساسية، وأولها صيانة الشرف والاعتبار واحترام الحياة الخاصة، وجميع ذلك يؤكد على مبدأ خضوع الأفراد لواجبات محددة، يمليها صالح الجماعة.