استهدف وزير الخارجية المصري سامح شكري، من رحلته الاستكشافية الأخيرة إلى واشنطن، إدراك مدى قدرة إدارة ترامب الجديدة على كسب مساحات متزايدة من الرأي العام الأميركي.

وحجم الاعتبار الذي توليه هذه الإدارة لمصالح مصر وتحدياتها، ومدى جديتها في الحرب على الإرهاب، خاصة أن الرئيس الأميركي ترامب ظهر عكس ما توقع كثيرون، وأسقط تباعاً، الكثير من التحفظات التي أحاطت بشخصه خلال الحملة الانتخابية، وكذب كل توقعات أوباما، وظهر على نحو لائق بمكانة الرئيس الأميركي، ونجح في توسيع نطاق مؤيديه، وزاد من ترحيب دوائر أميركية عديدة مهمة، كان يساورها الكثير من القلق حول خياراته المحتملة.

وابتداء من مجموعة الجنرالات المتقاعدين التي تولت في إدارته الجديدة مهام الدفاع والأمن القومي والهجرة والأمن الداخلي وشؤون الاستراتيجية.

والذين عرف عنهم جميعاً الانضباط وحسن السمعة والمكانة المتقدمة في صفوف المؤسسة العسكرية الأميركية، إلى وزير الخارجية الجديد، ريكس تليرسون، الرئيس السابق لشركة موبيل للبترول، وواحد من أهم أصدقاء الرئيس الروسي بوتين، الذي يلقى مساندة قوية من عدد من أبرز الساسة الأميركيين، في مقدمهم جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق، تحظى إدارة ترامب الجديدة بثقة متزايدة في الداخل الأميركي، يؤهلها بالفعل لأن تخوض حرباً ناجحة على الإرهاب.

والواضح أيضاً، أن رسائل وزير خارجية مصر سامح شكري إلى الإدارة الجديدة، كانت رسائل جد ذكية، تصدق القول وتنهض على حقائق مهمة، تنوعت مضامينها لتشمل قضايا الإرهاب والإصلاح الاقتصادي وحجم التوجه الديمقراطي، وموقف مصر من المجتمع المدني والجمعيات الأهلية.

ومدى احترامها لحقوق الإنسان، خاصة أن لقاءات وزير الخارجية المصري، شملت مجموعات واسعة من رؤساء لجان الكونغرس في المجلسين، المسؤولة عن قضايا المساعدات والأمن والقوات المسلحة والعلاقات الخارجية، وباختصار شديد، أكدت مصر في هذه الرسائل المكثفة، على عدد من الحقائق المهمة:

أولها، أنه ليس صحيحاً أن الإرهاب يتسع في مصر ليشمل كل سيناء، وأن الجماعة الإرهابية هناك تنحصر في مساحة لا تزيد على 2 % من حجم شبه الجزيرة، هي المساحة المحددة ما بين رفح والعريش، وأن ما يؤخر الحسم العسكري، هو وجود الآهلين الذين يتحتم توفير كل صور الحماية لهم، خاصة أنهم يدعمون عمليات القوات المسلحة.

ويشكلون شبكة حيوية لمساندة مصر في معركتها ضد الإرهاب في سيناء، وأن الخطر الحقيقي يكمن في تنظيمات جماعة الإخوان المسلمين في الداخل، التي تمارس العنف بصورة مكشوفة، وتعيد إحياء نظامها السري الخاص، وتعمل بنشاط لتخريب اقتصاد مصر الوطني، وزيادة حدة أزماتها السوقية، ويلفظها الشعب المصري بصورة نهائية.

وثانيها، أن الإصلاح الاقتصادي بات ضرورة حتمية، بعد أن جرى إهماله لعقود طويلة، تجنباً لاتخاذ قرارات صعبة كان ينبغي اتخاذها منذ عقود، وأن الرئيس السيسي اتخذ بشجاعة فائقة، قرارات صعبة ومصيرية، لم يسبقه إليها أي رئيس آخر، مهما علت مكانته، وأن الشعب المصري تقبل قرارات تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود وتقليل حجم الدعم، رغم صعوباتها الفائقة، ثقة منه في قيادته، ورغبة في تحقيق الإصلاح.

وثالثها، أن برنامج المساعدات العسكرية لمصر لم يزل ثابتاً على مدى 30 عاماً، رغم الأعباء الضخمة التي تتكبدها مصر في حربها على الإرهاب، سواء على الجبهة الشرقية في سيناء، أم على الجبهة الغربية بامتداد حدود مصر مع ليبيا، التي تطول لأكثر من 1200 كيلو متر.

وأن المؤسسة العسكرية المصرية، تشارك بدور حيوي واستراتيجي في منع اختراق جماعات الإرهاب لحدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية، دفاعاً عن أمن مصر وأمن الشرق الأوسط وأمن العالم العربي، وصولاً إلى البحر الأبيض بعمقه الأوروبي، وما من سبيل لاستمرار صمود مصر في حربها على الإرهاب، وأمن الشرق الأوسط واستقراره وأمن البحر الأبيض المتوسط وزيادة حجم الدعم العسكري الأميركي.

رابعها، أن مصر دولة مؤسسات، يهمها وجود برلمان قوي متنوع، يعكس طبيعة القوي السياسة في المجتمع المصري على اختلاف انتماءاتها، ومجتمع أهلي مدني متنوع، يقوم بدوره في المشاركة في عملية التنمية، من خلال قطاع خاص رائد، يؤمن بحرية التجارة، ويعزز المشروع الفردي، ويسعى لتنمية التجارة الدولية، وصحافة حرة تعبر عن كل الآراء.

كما أن الخيار الديمقراطي هو الهدف المنشود من قيام دولة مدنية قانونية تحترم حقوق الإنسان، وأن في مصر عشرات الآلاف من الجمعيات الأهلية التي يمكن أن تغير قانونها، لأن كل ما تريده مصر من النشاط الأهلي، ألا يكون باباً للتربح، وأن يتسم بالعلانية والشفافية، ويعلن حجم تمويله الداخلي والخارجي، وما عدا هذه القضايا الأساسية، يمكن تعديله وتغييره.

والحق أن مصدر الالتباس والخطأ في هذه العلاقة الشائكة مع الولايات المتحدة، لا يزال يكمن في بقايا تفكير قديم يسيطر على رؤوس البعض، يتصور إمكان أن نصدر للآخرين صورة أخرى لمصر غير صورة واقعها الذي نعيشه!، في عصر انتفت فيه الأسرار، وأصبحت الحقائق ملكاً الجميع، وتوافر للخارج في معظم الأحيان معلومات عن الداخل، ربما تكون أكمل واشمل وأكثر دقة.

ولو أن قانون الجمعيات الذي صدر في مصر، وضع في حسبانه فقط ضمان العلانية والشفافية ومصادر التمويل المعلنة، دون هذه النواهي الكثيرة التي كبلت بنود القانون وأحالته إلى مجموعة من المحرمات، لكان قبوله في الداخل والخارج أكثر يسراً، خاصة أن المسافات تضيق، بل تتلاشي على نحو متزايد بين المعايير الوطنية والمعايير العالمية، وتكاد توحد بينهما، وما يزيد من عمق هذه المفارقة، أن معظم التشريعات الوطنية الحديثة، تنطوي على نصوص تؤكد ضرورة انتفاء كل صور التناقض والخلاف بين التشريعات الدولية والوطنية!

والأكثر خطورة وأهمية من ذلك، أن يدخل في حسبان البعض، أن دعم الرئيس الجمهوري ترامب لمساندة أميركية قوية لمصر، تساعدها في حربها على الإرهاب، تغني عن مواصفات وشروط أخرى تلزمها احترام حقوق الإنسان وزيادة حجم المشاركة لمؤسسات المجتمع الأهلي.