لا جدال في أهمية وخطورة العلاقات المصرية الأميركية في المرحلة المقبلة لضمان أمن الشرق الأوسط واستقراره، ولتحقيق انتصار حاسم على الإرهاب يحاصر جماعاته ويجتث جذورها، ولمواجهة تحديات عملية الإصلاح الاقتصادي وتجنيب الفئات الأقل قدرة آثارها الجانبية الصعبة ضماناً لاستمرار المسيرة وحفاظاً على مستوى الرضا العام.

ولا جدال في أن وجود الرئيس الجمهوري المنتخب دونالد ترامب في البيت الأبيض، يمثل فرصة مهمة وحيوية لمصر، لإعادة تشكيل صورتها في الذهن الأميركي كحليف استراتيجي في الحرب على الإرهاب، ودولة ناهضة تسعى لتحسين جودة حياة مواطنيها، في إطار التزام واضح بالدولة القانونية الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان وتعتمد على مؤسسات المجتمع المدني ، ولا ترى لنفسها طريقاً آخر سوى بناء مجتمع مدني حديث ينتصر للحريات العامة والخاصة، ويحتفي بالرأي والرأي الآخر ويوسع نطاق مشاركة المجتمع الأهلي، ويرى المعارضة جزءاً من الحكم.

وأظن أن الواجب الأول لمصر في هذا المجال، أن تثبت زيف الصورة التي رسمتها إدارة الرئيس الأميركي أوباما لمصر بعد ثورة يونيو كدولة أوتوقراطية يحكمها جنرال من القوات المسلحة، لا تهتم كثيراً بحقوق الإنسان، تتسم فيها أجهزة القمع بالغلظة والحماقة، تقيد حريات الرأي والصحافة، وتطارد كل صاحب رأي مخالف، تقمع تيارات الإسلام المعتدلة لصالح المزيد من قوى التطرف التي تعمل تحت الأرض!!

ومع الأسف تسود هذه الصورة عن مصر في الإعلام الأميركي! وتشكل البعد الأهم في رؤية الكثير من أعضاء الكونغرس، ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، وتكاد تشكل الانطباع العام الذي يسيطر على الرأي العام الأميركي!..

وهي صورة جد مغلوطة حذف منها بعناية وقصد مشاهد أساسية أهمها، تظاهرات يونيو التي جاوز عددها 30 مليون نسمة يعلنون رفض حكم المرشد والجماعة شملت كل مدن مصر ومحافظاتها، كما حذف منها المشاهد المسلحة في اعتصام رابعة، وتظاهرات جماعة الإخوان المسلمين المسلحة فوق كوبري 6 أكتوبر بعد انفضاض اعتصام رابعة.

وتهديدات محمد البلتاجي باستمرار عمليات سيناء إلى أن يتم الإفراج عن محمد مرسي، وركوب قناصة الإخوان معظم العمارات التي تحلق ميدان التحرير، وحرائق أقسام الشرطة ودور المحاكم وحصار المحكمة الدستورية العليا وطوابير الناخبين تمتد كيلو مترات عدة وتزدحم بنساء مصر لانتخاب السيسي رئيساً بنسبة إجماع عالية..

حذفت كل هذه المشاهد عمداً من الصورة الأصلية كي تعطي انطباعاً خاطئاً لا يزال مع الأسف يشكل الصورة الذهنية لمصر في العقل الأميركي.

وأظن أيضاً أن ما يساعد مصر على كشف هذا الزيف الخطير الفشل الذريع الذي منيت به سياسات الرئيس الأميركي أوباما في الشرق الأوسط، وانسحابه المهين من المنطقة مخلفاً وراءه خرائب صراعاته في العراق وليبيا واليمن، ونتائج الفوضى العارمة لربيعه الكاذب، وجمود أزمة الشرق الأوسط مع تزايد حدة ومرارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهيمنة إيران المتزايدة على أقدار المنطقة، وانصرام التحالف العربي من حول سياسات واشنطن، وتزايد نفوذ الروس شرق المتوسط، وبروز دور جماعة الإخوان المسلمين المتزايد كجماعة إرهابية، وسقوط المثال التركي الذي تكشفت ملامحه الحقيقية في استبداد يخنق كل صوت حر!

وما يزيد من فرص نجاح مصر في كشف زيف أبعاد هذه الصورة، إن الرئيس الجمهوري الجديد دونالد ترامب يعرف جيداً حجم الغبن الذي وقع على مصر لتغطية فشل سياسات أوباما وتحالفه الخاسر مع جماعة الإخوان المسلمين، الذي وصل إلى حد عقاب مصر ومنع وصول طائرات الأباتشي وأف 16 وقطع غيار الأسلحة الأميركية، وحصار مصر اقتصادياً والتضييق على مصالحها رغم أنها تخوض معركة جادة ضد الإرهاب، تشكل خط الدفاع الأول عن أمن السعودية ودول الخليج وباقي العالم العربي.

وربما يخلص موقف الإدارة الأميركية الجديد من مصر في هذه العبارة الموجزة التي جاءت على لسان نائب الرئيس الأميركي الجديد مايك بينس في لقائه مع وزير الخارجية المصري سامح شكري في رحلته الاستكشافية الأخيرة إلى واشنطن (مصر شريك استراتيجي في الحرب على الإرهاب، واستقرارها ودعمها ونجاحها يمثل مصلحة أميركية مباشرة، لأننا نعرف جيداً حجم التضحيات التي تبذلها).

وسواء أكان الرئيس الجمهوري ترامب جاداً في متابعة قضايا حقوق الإنسان ويعمل على تشجيع العمل الأهلي، أم أن هذه القضايا لا تدخل في بؤرة اهتماماته الأساسية كما يفعل الديمقراطيون، فإن ترامب ليس كل الولايات المتحدة!

هناك الكونغرس الأميركي الذي ربما يكون أكثر التزاماً بهذه القضايا، وهناك أجهزة المعلومات والأمن، وهناك البنتاغون بتأثيراته الحاسمة على تحالفات أميركا العسكرية، وهناك أجهزة الإعلام ومؤسسات الرأي العام الأميركي، وجميع هؤلاء شركاء في صنع القرار الذي غالباً ما يكون حصيلة حوار وتفاعل كل هذه المؤسسات، بما يعني أن من المهم أن نحسن العمل ونتقنه، ونقدم الصورة الحقيقية دون تزييف لأن ذلك مطلوب لذاته، ولأنه يحقق صالح مصر الوطني قبل أن يكون في صالح الآخرين.