يبقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس صاحب الخيار الأفضل بين كل الأطراف الفلسطينية، لأنه لا يقامر على تخريب مدن الضفة كما قامرت حماس على تخريب قطاع غزة دون جدوى، ولأنه يقر بخيبة أمله وجهوده في تغيير عقائد اليمين الإسرائيلي المتطرف وسلوكه الهمجي ضد الشعب الفلسطيني رغم كل محاولات التعايش السلمي التي يبذلها «أبومازن»، الذي لا يزال يأمل في بعض الإنصاف من المجتمع الدولي لأن انحياز فتح إلى نبذ العنف ورفض المقاومة المسلحة يشكل مكسباً ضخماً لأمن العالم واستقراره يستحق التعاطف مع القضية الفلسطينية.

فضلاً عن أن «أبومازن» ينحاز على مستوى الداخل الفلسطيني إلى بناء دولة قانونية ديمقراطية يخضع فيها الجميع لحكم القانون، تحترم حقوق المواطن الفلسطيني وحرياته الأساسية دون تمييز، وتبني مؤسساتها في إطار الفصل بين السلطات الثلاث، وتسعى لأن تتصالح مع تاريخها، تعيد الاعتبار لأحمد الشقيري الذي ثارت عليه فتح في خمسينيات القرن الماضي وكان صاحب رؤية وفعل، كما يقول محمود عباس، وتعتبر أبو عمار الرمز والقائد المؤسس، تبني له ضريحاً جميلاً يليق بزعيم عظيم، شاهده شجرة زيتون عتيقة عمرها مئات الأعوام زرعت على ضفاف بحيرة صغيرة، تخيل مصمم المكان أنه ربما تنقل ضريح عرفات يوماً ما إلى القدس الشرقية عندما تصبح عاصمة للدولة الفلسطينية، إضافة إلى متحف حديث، آية في الإبداع يحكي تاريخ نضال أبو عمار ومعالم حياته من مولده إلى استشهاده.

لكن مؤتمر رام الله حّمل «أبومازن» مسؤولية تحقيق المصالحة الوطنية التي كانت مطلباً عاماً وقاسماً مشتركاً أجمعت عليه كل الوفود الوطنية والدولية إلى المؤتمر، وبينهم خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس الذي بعث إلى المؤتمر رسالة قرأها أحد أنصاره، تطالب أعضاء فتح شركاء الوطن والقضية والقرار، كما تطالب كل الفصائل الفلسطينية بالتوافق على برنامج نضالي يلتزم به الجميع لمقاومة الاحتلال والاستيطان والتهويد، يقرب الفلسطينيين من النصر وإنهاء الاحتلال واستعادة الأقصى وفك الأسرى وعودة اللاجئين.

ولست أعرف إن كانت رسالة خالد مشعل إلى مؤتمر رام الله تفتح الطريق بالفعل إلى المصالحة الوطنية المنشودة عبر توافق كل الأطراف الفلسطينية على برنامج نضالي لتحرير الأرض والناس، بينما تؤكد فتح ضمن مقررات مؤتمرها السابع تمسكها بنبذ العنف ورفض المقاومة المسلحة، واعتماد النضال السياسي طريقاً لتحقيق اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة مستقلة، وابتكار صور من المقاومة السلمية الشعبية لم يتم تحديدها أو تعريفها على نحو واضح، في ظل تاريخ طويل من المفاوضات والجهود الشاقة التي أشرفت عليها وشاركت في بعض ترتيباتها دول عربية، كشفت عمق الخلاف العقائدي والجغرافي الذي يفصل بين حماس وفتح، ويباعد بين الطرفين، ويفشل جهود المصالحة رغم ضغوط الرأي العام العربي الذي يعتقد أن الانقسام الراهن في الموقف الفلسطيني هو أول أسباب إخفاق الطرفين حماس وفتح، وهو الذي أدى إلى تناقص تأييد المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية، وعزز صلف الإسرائيليين وتسلطهم على الأرض المحتلة وأعطى للقوى الدولية الوسيطة ذرائع فشل الوصول إلى تسوية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي.

بل لعل الأكثر احتمالاً والأكثر مدعاة للخوف والقلق، أن تزداد المسافات بعداً بين الضفة التي تزدهر أحوالها على نحو نسبي، وقطاع غزة الذي تزداد أحواله الاقتصادية والعمرانية سوءاً، ويزيد من تفاقم سوء الأحوال في قطاع غزة، أن أنصار فتح الذين كانوا يشكلون البنية الأساسية لمعظم الوظائف المدنية في القطاع ويزيد عددهم على 40 ألف شخص استجابوا لنداء السلطة الوطنية وتركوا مواقعهم الوظيفية بعد أن نجحت حماس في السيطرة على الأوضاع في غزة في أعقاب الصدام الأهلي الفلسطيني، وغادروا بالفعل وظائفهم التي شغلها أنصار حماس لكنهم يعانون الآن من التدهور المتزايد في أوضاعهم الاقتصادية بسبب حجم المعونات المحدودة التي تقدمها لهم السلطة الوطنية بديلاً عن وظائفهم التي فقدوها.

والواضح أيضاً من خطاب «أبومازن» في مؤتمر رام الله، أن فتح وحماس لا يزالان يختلفان على نحو عميق حول الآلية التي يمكن أن يتبعها الطرفان لتحقيق المصالحة الوطنية، وفي حين تقترح حماس في رسالة مشعل إلى المؤتمر، التوافق مع فتح وسائر الفصائل الفلسطينية حول برنامج نضالي يكمل تحرير الأرض ويستعيد القدس والأقصى، يعرض «أبومازن» انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة تجري في غزة والضفة تحت إشراف دولي، يحوز فيها الفائز مقاعد السلطة ويذهب الخاسرون إلى المعارضة، في عملية ديمقراطية تضمن سلاسة الانتقال وتبادل السلطة، يشرف علي تطبيق مراحلها المجتمع الدولي، ويمكن أن تمهد لها حكومة وحدة وطنية تضم كل الأطراف الفلسطينية.. فهل يمكن لحماس أن تقبل اقتراح «أبو مازن» وترضى بانتخابات نزيهة حكماً بين الجانبين؟

أغلب الظن أن حماس يمكن أن ترى في اقتراح «أبومازن» فخاً مدبراً خاصة مع الانهيار المتزايد في شعبيتها سواء في الضفة أو القطاع أو المهجر، بما يجعل إبقاء الوضع على ما هو عليه الخيار الأفضل الذي يمكن للطرفين قبوله، لكنه خيار صعب وبائس يوفر لسلطة الاحتلال الإسرائيلي هوامش حركة واسعة وسط الخلافات المشتعلة بين الطرفين الرئيسيين حماس وفتح!

ويزيد من صعوبة الوضع وضعف قدرة الإنسان عن رؤية مستجدات الموقف، أن «أبومازن» رغم ذكائه وعمق رؤيته وقدرته على التكيف مع متغيرات الموقف السياسي الدولي، لم ينجح بعد في أن يفض لغز خلافته التي لم تزل لغزاً يصعب فك طلاسمه.