إن الشهداء صُناع حضارة، لأن الحضارة لا تُقام إلا بالقيم العظيمة، وبُناة أمجاد، لأن المجد لا يُنال إلا بالتضحية الكبيرة، وهم مدرسة إنسانية مشرقة، نستلهم منها القيم السامية، والمبادئ العالية، فكم في سيرة الشهداء العطرة من دروس وعبر، هي كالمشاعل المضيئة في طريق السائرين.
لقد قدم لنا الشهداء أروع الأمثلة في أرقى المعاني الوطنية، فقد هبوا دون تردد نحو ساحات البطولة، ملبين نداء وطنهم بكل رجولة، معبرين عن حبهم لوطنهم بأرواحهم ودمائهم، مسارعين لنصرة قيم الحق والوئام، وإرساء دعائم الاستقرار والسلام، تحت مظلة قيادتهم الحكيمة، وتحت راية دولتهم الأبية، فبهم يزدهر الوطن، وتفتخر الأسر.
ويرتقي المجتمع إلى أفق المعالي، وبهم يرفع التاريخ رأسه، ويمتلئ فخراً واعتزازاً، فسيرتهم تملأ الآفاق رياحين عطرة، وتضحياتهم الغالية ترسم لنا أجمل القيم الوطنية وأصدقها، فالفعل أبلغ دلالة من القول، والتضحية بالنفس أبلغ أنواع التضحيات.
لقد قدّم الشهداء لنا دروساً عظيمة في حب الوطن، والتفاني من أجل شموخه وعزه ومنعته واستقراره، والحب الصادق للوطن قيمة مهمة لا تستغني عنها الأجيال في حاضرها ومستقبلها، والحب الصادق عمل وبناء، وبذل وعطاء، وتضحية وفداء، وهي معان جليلة ينسجها القلب، ويرددها اللسان، وتترجمها الجوارح.
وتظهر في صور هموم يحملها الإنسان بين ضلوعه تجاه وطنه، وما أجملها من هموم صادقة، وتظهر في صور إنجازات يخدم بها الإنسان وطنه، وما أروعها من إنجازات، والشهداء حملوا هموم وطنهم، وحققوا أسمى الإنجازات، فدافعوا عن وطنهم بأرواحهم، وتلك هي صورة الحب الصادق في أسمى صورها، وأبهى تجلياتها.
ومن القيم التي تعلمناها من الشهداء التحلي بروح المسؤولية الاجتماعية، والتفاني في خدمة أبناء وطننا، والمقيمين على أرضه الطيبة، فالإنسان لا يعيش لنفسه فقط، ولا يجري وراء متعه ولذائذه الخاصة، فالأنانية داء قاتل، والإفراط في حب الذات مرض مهلك.
ومن يعِشْ لنفسه يمُتْ ذكره، ولا يكون له قدر ولا قيمة ولا رفعة ولا شأن، ومن ينسَ أسرته ومجتمعه ووطنه ينسَهْ الجميع، والشهداء علمونا السمو على حظوظ النفس، والتسامي على الأغراض الدنيا، والمطالب الصغيرة، والاهتمام بالمقاصد العظيمة، والغايات الشريفة، والمصالح العامة.
كما تعلّمنا من الشهداء ثمرات البيت الصالح، والتربية الصالحة، وقيمة الآباء والأمهات، الذين يصنعون للوطن رجالاً، ويقدمون له أبطالاً، فالتربية الصالحة شجرة مثمرة، وهؤلاء الشهداء تخرجوا في البيئات الصالحة، التي أمدتهم بحب الوطن والتضحية له، والتفاني من أجله.
فترعرعوا على هذه المعاني، وشبوا عليها منذ نعومة أظفارهم، وجرت في عروقهم مجرى الدماء، فطوبى لهذه الأسر المباركة، ونعمت التربية الراقية، وقد تعلمنا من أهالي الشهداء المعاني الكبيرة، تعلمنا منهم الصبر والاحتساب، والجود بفلذات الأكباد.
وتلك قمة الجود، وعلمونا بمواقفهم المعبرة الاعتزاز بتضحيات الشهداء، فلله درّ آباء رفعوا رؤوسهم بأبنائهم الأبطال، وأمهات سطرن أروع الكلمات في احتساب فلذات الأكباد، واعتبروا الشهادة عرساً مليئاً بأهازيج الفخر والاعتزاز، وإن الأمم تُختبر وتُمتحن، ليظهر معدنها الأصيل، وتزداد صلابة وقوة، وثباتاً وهمة، وإصراراً وعزماً.
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «بقدر فخرنا بشهدائنا بقدر اعتزازنا بأمهات شهدائنا وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم وذويهم، الذين أمدونا بصبرهم ووعيهم وإرادتهم الصلبة، ووطنيتهم الصادقة والجارفة بالمزيد من القوة والإصرار والثبات، ومنحونا الثقة المطلقة بقوة هذا الوطن، وتماسك أبنائه، وقدرته على الوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات والمحن».
ومما نستلهمه من سيرة الشهداء أيضاً أن الدولة الأبية والقيادة الحكيمة تصنع رجالاً قل أن يجود بهم زمان، فهؤلاء الشهداء تخرجوا في مدرسة زايد الخير، ونهلوا من قيم الآباء المؤسسين والقادة الحكماء، الذين حملوا على عاتقهم رفعة شأن الوطن وتحقيق منعته، والمحافظة على أمنه واستقراره، لتمضي سفينته في سلام، ويعم فيها الخير والرخاء والوئام، وما هؤلاء الشهداء الأبرار إلا ثمرة من ثمرات مدرسة الإمارات، مدرسة البطولة والقيم قيادة وشعباً.
والقيم المستلهمة من سير الشهداء كثيرة لا تنحصر، كالشجاعة والبسالة والإقدام والإيثار والإخلاص والولاء والانتماء والتلاحم الوطني، وقوة الإرادة، والعزيمة التي لا تلين، مهما كانت التحديات، وإن تضحيات شهدائنا ستبقى دروساً عظيمة للأجيال، ينهلون منها كل قيمة جميلة، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: «لقد قدَّم الشهداء لنا رصيداً وافراً، نستمد منه العزم والقوة، لمواجهة التحديات، وتسترشد به الأجيال لمواصلة طريق العطاء والبذل».
وقد جاء يوم الشهيد تخليداً لذكرى الشهداء، وتذكيراً بتضحياتهم، وتنويهاً بالقيم الجميلة، التي نستلهمها من سيرتهم المشرقة، والمعاني الأخلاقية الراقية، التي نتعلمها منهم، يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد: «إن يوم الشهيد هو رمز، وهو في نفس الوقت يمثل بعداً وطنياً واجتماعياً ومعنوياً، تتجلى فيه قيم العطاء والبذل والتضحية والشجاعة، وستظل ذكرى الشهداء محفورة في قلوبنا.
ولها بصماتها في حياتنا ومسيرتنا، إن أبناء الإمارات يخلدون في هذا اليوم ذكرى أبطالنا الأبرار بكل فخر واعتزاز، فهم مصدر الفخر والإلهام للأجيال المقبلة، ففي هذا اليوم نستذكر المواقف المضيئة لأبطالنا البواسل وأعمالهم الجليلة، ونتذكر تضحيات الأوائل، الذين غرسوا في أبناء الوطن قيم الشجاعة والتضحية، والولاء لهذا الوطن».