كلما ارتفع المخزون المعنوي للشعب، كان هذا الشعب أكثر قدرة على ابتكار أشكال جديدة من التطور وبلوغ مراتب جديدة لم يسبقه إليها أحد. الروح المعنوية للمجتمع شرط لانتصاره على التحديات، ولقدرته على تطويع الظروف، لخدمة توجهاته وأهدافه العامة.

لقد اعتمد مجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، مشروع الميزانية الاتحادية للسنوات الخمس المقبلة 2017- 2021 بنفقات تقديرية تبلغ 248 مليار درهم، وميزانية 48.7 مليار درهم لعام 2017، وتم تحديد سعادة ورفاهية المواطنين كونها محوراً للميزانية، وهذا ما يبدو واضحاً من خلال تخصيص الحصة الأكبر لقطاعات الصحة والتعليم والابتكار والرفاهية الاجتماعية.

وقد يعجز العقل التقليدي عن تفهم هذا الكم الهائل من الصرف الحكومي على برامج وقطاعات الرفاهية الاجتماعية والصحة والتعليم في بلد لا ينقصه شيء من هذه المقومات، لدرجة أن البعض قد يستغرب استمرار حصول هذه القطاعات على نصيب الأسد من الميزانية الحكومية في وقت تتصاعد فيه الحاجة، لتعزيز الإنفاق على قطاعات الإنتاج وتنويع مصادر الدخل.

لكن لو حللنا هذا المشهد بالمنطق العلمي، سنكتشف أن زرع قيم السعادة والتسامح، وتعزيز قيم المعرفة والابتكار، وتوفير مقومات الراحة للعناصر البشرية، إضافة إلى دعم الروح المعنوية للمجتمع هي مقدمة لنجاح كل المساعي الأخرى، التي تتعلق بالاقتصاد والإنتاج والتنوع.

لنأخذ مثلاً آليات تحضير الفرق الرياضية قبل المباريات المهمة، وكيف تتم صناعة الانتصار قبل الدخول إلى ساحة الملعب، ألا يتم ذلك من خلال رفع الروح المعنوية للفريق، وتوفير كل سبل الراحة النفسية قبل المباريات؟ إن الفريق المصاب بمعنوياته لا ينتصر حتى لو توفرت له كل الشروط المادية للانتصار.

وكذلك أيضاً الجيوش التي مهما بلغت درجة تسليحها ستُهزم إذا كانت قيمها وروحها المعنوية مهزومة مسبقاً، بينما الجيوش التي تتسلح بالقيم والمعرفة والروح المعنوية العالية والثقة بذاتها وبقيادتها لا تهزم أبداً.

التاريخ يزخر بالحكايات، التي تثبت أن جيشاً صغيراً يتسم بالتماسك والتعاون ويمتلك روحاً معنوية عالية، قد انتصر على جيوش كبيرة تفتقر لهذه العوامل. الشيء ذاته ينطبق على الطلبة قبل الامتحانات، وعلى موظفي الشركات وعمال المصانع وحتى على العائلات مهما صغر أو كبر حجمها. الثقة بالذات والشعور بالتفوق، والإحساس بالأمن وعدم الخوف من غد مجهول، ضمانة أكيدة للنجاح.

وبالتحليل العلمي لتاريخ التنمية من ناحية ثانية، ثبت أن التنمية الاقتصادية عملية شبه مستحيلة إلا إذا استندت إلى التنمية الاجتماعية. لا يمكن تأجيل التنمية الاجتماعية لحين الانتهاء من البرامج والخطط ذات العلاقة بالنواحي المادية الأخرى.

لأن المجتمعات وحدها القادرة على تنفيذ هذه الخطط، والتنمية تكون مستدامة فقط إذا جاءت نتيجة للفعل الجماعي المشترك، الذي تتناغم فيه الأدوار بين الفرد والجماعة والمؤسسة والدولة والقطاع الخاص مع العام. وهنا تبرز أهمية التركيز من قبل الدولة على تعزيز أدوات التنمية، وفي مقدمتها المواطن وروحه المعنوية وقيم الانتماء التي تتعزز بالمعرفة والقيم الاجتماعية.

إن مقياس تقدم أي دولة هو مكانة المواطن في سياساتها، وحقه في الحصول على خدمات تعليمية وصحية متطورة، وحقه أيضاً في الرفاهية والأمن والاستقرار الاجتماعي، إضافة للحقوق الأخرى التي لا تقل أهمية، كالحق في الابتكار والإبداع والوصول إلى مصادر المعرفة.

هذه المكانة للمواطن تعتبر الترجمة الخلاقة والمثلى للشعارات، التي ترفعها الكثير من المجتمعات وتناضل في سبيل تحقيقها، كشعار العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات والشراكة في صنع القرار، بينما نحن في الإمارات حكومتنا تسبقنا في ما تقدمه من برامج ومحفزات للحصول على هذه الحقوق. وهذه هي العدالة الاجتماعية في أبهى صورها.

لقد حققت دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال الاهتمام بالرفاهية والتعليم والصحة والقيم الاجتماعية، ابتكاراً جوهرياً في منظومة حقوق المواطنين، وتفوقت في هذا السياق على كل النظريات التقليدية السائدة ذات العلاقة بالمواطنة وشكل الدولة ونظام الحكم والحقوق المدنية والسياسية وتمكين المرأة ودور الشباب في القرار التنموي.

هذا الابتكار الذي سيسجله التاريخ، يطرح نموذجاً إقليمياً ودولياً عن علاقة المواطن بقيادته، وسبل تعزيز هذه العلاقة، وعن شكل العدالة في الحكم وتوزيع الثروات والمساواة الاجتماعية وترسيخ القيم الإنسانية، التي تتعثر في الكثير من دول العالم حتى المتقدمة منها، لذا من حقنا كوننا إماراتيين أن نفخر بما لدينا، وبما حققناه، وما نحن واثقون من تحقيقه بالتعاون والشراكة.

ومن واجبنا في المقابل أن نتحدث عن هذه المنجزات لنقدم لشعوب العالم ولقادته أملاً ممكناً، لتجاوز التناقضات السائدة والانتقال للتعاون في بناء المستقبل.

* الرئيس التنفيذي لشركة الصكوك الوطنية