التجارة في البحر الأحمر قديماً

من المعروف أن البحر الأحمر ممر مائي صعب، لأن الرياح تهب في معظم العام من الشمال، بحيث يصبح الإبحار صعداً من المحيط الهندي مستحيلاً بين شهري مارس وأكتوبر من كل عام.

والبحر الأحمر ضحل في بعض مناطقه، وفيه الكثير من الشعب المرجانية المحتجبة والحواجز الرملية والتيارات الخطيرة. وهناك القليل فقط من الموانئ الطبيعية الجيدة. وكانت هذه الموانئ تقليدياً على الشواطئ العربية. إلا أنه كان من النادر أن تمتد سلطة الحكام إلى مناطق بعيدة عن المدن، وعلى رأسها مخا وينبع وجدة. وكان أي شخص يرسو في مناطق أخرى بجوار الشاطئ يتعرض للهجوم على يد القبائل.

ولهذا السبب فإنه عندما بدأ الأوروبيون أول الأمر الإبحار عبر المحيط الهندي، كان يسعدهم أن يتجنبوا البحر الأحمر. والسلطات العثمانية التي مارست هيمنة اسمية على السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية منعت السفن الأجنبية من الإبحار بالقرب من المدينتين المقدستين، بالإضافة إلى مخا في اليمن التي كانت في ذلك الوقت تنتج البن.

وقد قصد بهذا الإجراء الحفاظ على التجارة المحلية لا سيما البن في أيدي التجار المحليين أو الأتراك. ولمنع الخطر المتمثل في أن هؤلاء المغامرين الأوروبيين قد يهددون التجارة الشرقية التي كانت تمارسها في ذلك الوقت القسطنطينية.

وخلال القرن السابع عشر، حاول التجار الإنجليز الآتين من الهند بيع الملابس الصوفية للعرب لجني المال لشراء البضائع الهندية. وقاد السير هنري ميدلتون إحدى هذه البعثات وصولاً إلى مخا في عام 1716. واعتقل هناك وأرسل إلى صنعاء، حيث عثر هناك على نحو ثلاثين تاجراً أوروبياً مريضاً ويشعرون بالضعف بسبب الحزن والبرد والطقس السيئ وسوء التغذية، الخ.

وتمكن هنري ميدلتون من الهروب، وكانت الصورة التي رسمها كفيلة بتثبيط من تبعوه والتجار الأوروبيين في الهند لترك «تجارة البحر الأحمر الخطرة».

غير أن الشهوة المتزايدة لشرب القهوة في أواسط القرن السابع عشر أبقت على الاهتمام بالبحر الأحمر. وكان لدى شركة الهند الشرقية وكيل في مخا حتى عام 1752 لتنظيم جمع البن وتصديره.

ومع تطور التنافس الإنجليزي - الفرنسي من أجل التفوق في الهند في القرن الثامن عشر، أدرك البعض أهمية مصر الاستراتيجية، لا سيما مع الحاجة إلى وجود اتصالات أسرع بين الشرق والغرب. وفي أواسط القرن الثامن عشر وقبل استخدام البخار، كانت أقصر رحلة من لندن إلى كالكوتا، عبر رأس الرجاء الصالح تستغرق نحو 150 يوماً.

وسرعان ما اكتشف بعض التجار المغامرين أن الرحلة ذاتها مروراً عبر السويس يمكن أن تستغرق 63 يوماً فقط في حال كان المرء محظوظاً.

وتألق الاهتمام المتجدد بالبحر الأحمر من خلال الاستقلال المتزايد للمماليك الذين يحكمون مصر عن السلاطين العثمانيين الآخذين في الضعف.

وفي ستينيات القرن الثامن عشر، تطلع الحاكم المملوكي علي بك، الذي رسخت مكانته في مصر، إلى إعادة التجارة بين الهند وأوروبا إلى البحر الأحمر ومصر، لتحقيق المكانة الرفيعة والإيرادات الجمركية.

وهزم علي بك في عام 1774 على يد المعارضين له من المماليك. وأعطى خلفه محمد أبو الذهب إذناً لجيمس بروس الرحالة ووكيل شركة المشرق في الإسكندرية خلال ذلك الوقت يتيح لمواطنيه التجارة حتى السويس.

وكان بروس رجلاً منفتحا يتحين الفرصة وراء كل شيء. إلا أن مبادرته في نيل الإذن للبريطانيين كي يتاجروا وصولاً إلى البحر الأحمر انتزعها البريطانيون في الهند.

وابتداءً من عام 1775 أرسلت السفن سنوياً إلى السويس متشجعة بعد بروس بحماس جورج بالدوين، الذي كان من متعهدي شركة المشرق، والذي تأثر بالاتصالات بين مصر والهند بينما كان يقيم في شرقي المتوسط، في قبرص ثم في عكا.

وفي عام 1774 ولإثبات وجهة نظره التي تشير إلى قيمة الطريق إلى الهند عبر مصر، توجه إلى السويس في طريقه إلى الهند. ولكنه وجد نفسه لايزال هناك عقب مرور شهر. وعين بلدوين في مصر عقب ذلك قنصلاً لشركة المشرق ووكيلاً لشركة الهند الشرقية، إلى أن أعلنت مصر محمية بريطانية، لدى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات