تعتبر المؤسسات في أية دولة وخاصة المؤسسات الحكومية مراكز حيوية وشرايين أساسية للتنمية والنهضة والبناء، ولها أهمية كبرى باعتبارها محطات لضخ الخدمات المتنوعة في المجتمع في مختلف ميادين الحياة، سواء كانت ميادين تعليمية أو صحية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية أو غيرها، كما أن هذه المؤسسات صروح كبرى لتوظيف واستثمار الطاقات البشرية في المجتمع، فهي تجذب وتحتضن الموارد البشرية، وتوظف طاقاتها توظيفاً سليماً منظماً، وفق أسس وخطط مدروسة، وأهداف وغايات منشودة، تسعى لتحقيقها على أرض الواقع في صور إنجازات واقعية تصب في خدمة الجميع، ويأخذ العمل المؤسسي أهميته من طبيعة العصر الراهن والذي يوصف بأنه عصر المؤسسات والجهود التكاملية، ونجاح الدول اليوم مرهون بنجاح مؤسساتها.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال مهم، وهو ما دور الأفراد تجاه هذه المؤسسات؟ هل هو دور المتفرج أم دور من يرمي الشجرة بأحجاره أم دور المساهم في رقيها ونجاحها؟ لا شك بأن الجواب الأخير هو الجواب الصحيح، فعلاقة الأفراد بالمؤسسات علاقة تكاملية، وهذه العلاقة تقوم على اقتناع الفرد بأهمية هذه المؤسسات، ومعاملتها باحترام، والإسهام في رقيها بالطرق المتاحة، ويأتي في مقدمة ذلك دور الأفراد في مواقعهم كموظفين في هذه المؤسسات، من خلال إتقان أدائهم الوظيفي، واحترام الأنظمة واللوائح، والعمل بروح الفريق الواحد، واحترام المدراء والزملاء والمرؤوسين، واكتساب الخبرات وتطوير المهارات التي تمكنهم من خدمة وظائفهم على أحسن وجه، امتثالا للحديث الشريف: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

كما يتعدى دور الأفراد في تعزيز المؤسسات إلى عموم شرائح المجتمع، عبر المشاركة المجتمعية والتعاون المثمر، فدور الأسرة مع المدرسة للارتقاء بالتلاميذ دور مهم، ودور المجتمع مع رجال الشرطة في مكافحة الجرائم والتصدي للكوارث دور مهم أيضا، وهكذا في سائر وجوه الشراكات المجتمعية بين الأفراد والمؤسسات لتحقيق التكامل في المجتمع.

ومما يتعلق بهذا الباب أيضا المشاركة بتقديم الآراء والمقترحات التطويرية لهذه المؤسسات عبر القنوات المتاحة، وتوخِّي النقد البنَّاء الهادف، الذي يقوم على الاحترام لا التجريح، وعلى النصح لا التشهير، وعلى إيصال الرأي بالطرق الصحيحة، فإن أي عمل بشري لا يخلو من خطأ، والنقد سلاح ذو حدين، إذا استُخدم استخداماً صحيحاً أثمر، وإذا كان نقداً طائشاً غير مسؤول أصبح أداة هدم ودمار، ومن هنا جاء في الحديث: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له»، وهذه منهجية راقية، تقوم على أساس أن النقد ليس غاية في نفسه، ولا وسيلة للإثارة والتهييج، بل وسيلة للعلاج والتصحيح.

ولذلك فمما ينبغي ترسيخه في الوعي المجتمعي أن دور الأفراد تجاه المؤسسات إذا وجدوا خطأ أن يقدموا النصيحة بالأسلوب الأمثل، وأما تطبيق مبدأ المحاسبة والجزاء ضد أي مؤسسة أو شركة أو منشأة حكومية أو خاصة فهي من اختصاص الدولة ومن خوَّلته بذلك من مسؤولي المؤسسات والشركات وفق القوانين والأنظمة المعمول بها، والإسلام رسخ مبدأ احترام الدولة، وسيادة القانون، وأوكل إلى الحاكم ونوَّابه ومن خوَّلوهم مهام الضبط والمساءلة والتقويم والجزاء كلٌّ بحسب صلاحياته، لأن هذه الأمور إذا أُوكلت إلى عموم الأفراد لأدى ذلك إلى الفوضى، وانعدم مبدأ التزام القانون، ولضاعت المؤسسات، وتضررت الشركات والمنشآت، ولألحق من شاء الضرر بمن شاء، ولدعا من شاء إلى ما شاء، من فرض عقوبات، والدعوة للمقاطعات، ولأكل القوي الضعيف، وانتقم الضعيف من القوي، فتسود شريعة الغاب، وتتحلل البنية الداخلية للمجتمع، ولا يبقى له كيان، ولا يدوم له نظام، كما أن تسلط الأفراد على المؤسسات الحكومية أو الخاصة والقفز على النظام والقانون يمثل ثغرة خطيرة، يستغلها المتربصون لإشاعة هذه الثقافة السلبية في المجتمع، وتسخيرها للتحريض ضد المؤسسات، والتشجيع على أعمال الشغب والتخريب، وإذهاب هيبة الدولة، والدعوة للخروج على الحاكم، مما يؤدي إلى الإضرار بالجميع، والمجتمع الواعي يحذر من هذه الأساليب الهدامة، ولا ينخدع بأي دعوة مغرضة لممارسة سلوكيات تجعل الفرد يتجاوز حدوده ويقفز على النظام والدولة.

ومما ينبغي أن نشيد به هنا ما تتميز به دولة الإمارات من العمل المؤسسي الرائد، والسياسات المؤسساتية المشهود لها بالكفاءة، والقوانين التي تضبط المؤسسات الحكومية والخاصة، والآليات الكثيرة للمتابعة والتقييم والمحاسبة والارتقاء، وقد تطرَّق إلى بعض ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله في كتابه الممتع «ومضات من فكر»، حيث بيَّن أن متابعة الأداء الحكومي يتم بطرق عدة ومن جهات عدة، منها وجود نظام إلكتروني شامل يضم آلاف المؤشرات الخاصة بأداء الوزارات للوقوف على أي تقصير ومعالجته أولا بأول، بالإضافة إلى مراقبة الأداء عبر المتابعة الميدانية، والمراقبة المالية عبر ديوان المحاسبة، والرقابة الوطنية عبر المجلس الوطني الاتحادي، ولا تزال القيادة الحكيمة تطلق المبادرات وتضع الاستراتيجيات التي ترقى بالعمل المؤسسي باستمرار، منها عمليات العصف الذهني، والاستراتيجيات المتميزة مثل استراتيجية الإمارات لاستشراف المستقبل، والتي تهدف لتحقيق إنجازات نوعية في كافة القطاعات الحيوية في الدولة.