نستطيع أن نشعر ببعض التفاؤل نحو استمرار الحوار السياسي الذي يتواصل الآن على امتداد أكثر من 18 شهراً منذ اجتماعات الصخيرات في المغرب إلى اجتماعات تونس الأخيرة للبحث عن مخرج سياسي للأزمة الليبية.

نجحوا جميعاً على امتداد عامين في خلق حالة حوار بين هذه المجموعات المختلفة الممثلة لكل أطياف المجتمع الليبي، بدلاً من حالة الصراع الحاد التي سادت البلاد في أعقاب أحداث الربيع العربي وكادت أن تصل إلى القطيعة والحرب الأهلية.

صحيح أن يد المبعوث الأممي مارتن كوبلر الذي يشرف علي هذه الحوارات تغوص في عمق قرارات وتوصيات (الاتفاق السياسي)، وكثيراً ما يعطي المبعوث الأممي نفسه دون أي مسوغ قانوني حق التكلم باسم الشعب الليبي! وحق مراجعة القرارات وتعديل صياغاتها الأخيرة! وربما يعطل الحوار لأسباب تخصه، كما فعل مع لجنة كتابة الدستور أخيراً!

لكن ما من شك أن وفاق هذه المجموعات المختلفة التي تمثل أطياف الشعب الليبي يشكل الموقف الأخير الذي يلزم المبعوث الأممي قبوله واحترامه، وما من شك أيضاً في أن تعايش هذه المجموعات والأفكار المختلفة التي تضم الرأي والرأي الآخر على امتداد ما يقرب من عامين، ساهم في خلق جسور من الثقة المتبادلة تنمو يوماً وراء يوم، تعزز فرص وصول ممثلي الشعب الليبي إلى تسوية سياسية تقبلها كل الأطراف، تنهض على خارطة طريق توافق الليبيون على أهدافها السياسية، تدعو إلى ضمان الحقوق الديمقراطية للشعب الليبي، وتشكيل حكومة توافقية تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، والاعتراف بشرعية مجلس النواب المنتخب باعتباره البرلمان الوحيد للشعب الليبي، والإقرار بضرورة تمكين مؤسسات الدولة (الجيش والقضاء والأمن) من العمل لصالح المواطن ومحاربة الإرهاب، والالتزام الكامل بإجلاء جميع المدن والمناطق من كل التشكيلات المسلحة، ونزع جميع الأسلحة غير المشروعة في جميع أنحاء البلاد من خلال جدول زمني، تتسلم الدولة الليبية بموجبه كل المعدات الثقيلة بحيث يصبح أفراد الجيش والأمن الليبيون أصحاب الحق في احتكار السلاح واستخدامه.

لقد حاورت عدداً غير قليل من شخصيات الحوار السياسي في تونس ينتمون إلى اتجاهات فكرية وجهوية عدة، بينها تيار واضح يرى الحل الصحيح في عودة الملكية إلى حكم ليبيا، لكن الوريث الشرعي لحكم ليبيا يشترط أن يقبل الشعب الليبي عودة الملكية في استفتاء عام يجري تحت إشراف الأمم المتحدة، لكن المغزى من وجود هذا التيار ضمن قوى الحوار السياسي، أن الجميع حاضرين كل بحجمه الحقيقي في المجتمع التونسي، وأن الجميع يتناقشون ويتحاورون ويختلفون لكنهم يعتقدون انه ما من مخرج صحيح يعيد الاستقرار إلى ليبيا سوى استمرار الحوار بين الفصائل المختلفة إلى أن يتحقق الوفاق الوطني، كما يعتقدون أنه مهما تكون صعوبات تحقيق هذه الأهداف على أرض الواقع، إلا أن توافق الجميع على صحتها وضرورتها يشكل خطوة مهمة على طريق بناء الدولة المدنية القانونية.

بالطبع لا تزال هناك مشكلات مهمة تتعلق بتوزيع الثروة والسلطة تؤخر المصالحة بين المنطقة الشرقية (بنغازي) والمنطقة الغربية (طرابلس).

وأظن أن بين المشكلات المهمة أيضاً استكمال كتابة دستور جديد للبلاد بعد أن أوقف المبعوث الأممي عمل لجنة كتابة الدستور قبل أن تراجع مسوداتها الأخيرة، لأنه لا يرى الوقت مناسباً في ظل غياب المصالحة الوطنية التي تشكل عاملاً مهماً لقبول دستور يحظى بموافقة الشعب الليبي في استفتاء عام، لكن مشكلة المشكلات هي كيفية دمج الميليشيات المسلحة التي يتجاوز أعداد مقاتليها عشرات الآلاف في أطر الجيش والأمن الليبي دون الإفراط في تمييز هؤلاء بدعوى أنهم قادوا الجهاد في أحداث الربيع العربي بما يمكنهم من السيطرة على أجهزة الدولة! لكن المهم في هذه المشكلة توافق الليبيين جميعاً على أن تشمل المصالحة قوى الإسلام السياسي بقدر حجمها في المجتمع الليبي، كما كشف عنه انتخابات البرلمان الأخيرة التي حصد فيها تيار جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم أقل من 10% من مقاعد البرلمان!

وبرغم أن أصواتاً جد محدودة في المنطقة الغربية تنتقد ما يسميه البعض انحياز مصر إلى المنطقة الشرقية، إلا أن الغالبية العظمي من الليبيين داخل الحوار السياسي وخارجه تضع موضع التقدير البالغ مساندة مصر القوية لوحدة الدولة والتراب الليبي، ومساعدتها المستمرة لقوات الجيش الليبي في المنطقة الشرقية التي حفظت أمنها واستقرارها، ودعهما للفريق حفتر الذي يخوض نضالاً شجاعاً ضد جماعات الإرهاب أدى إلى تنظيف المنطقة الشرقية من قوى التطرف، كذلك يعتقد غالبية الليبيين أن مصر تساند الدولة الليبية انطلاقاً من علاقات الإخوة والجوار والارتباط الوثيق بين أمن مصر وأمن ليبيا الذي يلزم المصريين والليبيين تكريس جهودهم لهزيمة داعش، لأن داعش تمثل خطراً على استقرار مصر كما تمثل خطراً على استقرار ليبيا.