لمحات من تاريخ المآذن

كانت أولى المآذن في الإسلام هما الموجودتان في المسجدين الجامعين الكبيرين بالمدينة المنورة ودمشق، اللتان شيدهما الخليفة الوليد بن عبد الملك.

وقد أقيم جامع دمشق في الفترة ما بين عامي 706-715 ميلادية.

أقيمت في أركان السور الذي بناه الخليفة الوليد، أربعة أبراج. وبعد فتح المسلمين لسوريا في عام 635 ميلادية، اشترك المسلمون في استخدام الأبراج حينها كمآذن.

في وقت مبكر من القرن الثامن الميلادي، من المحتمل أنه تمت زيادة ارتفاع البرجين في جهة الشمال لارتفاع يضاهي البرجين الواقعين جهة الجنوب، وذلك لأسباب جمالية، وجرى استخدام الأبراج الأربعة كمآذن. وتمت الاستعانة بالمعماريين من قبل الوليد لتصميم المسجد الجامع في المدينة المنورة، والذي كانت بيوت النبي موقعه، وبُني بين عامي 705- 710، ولبناء أربع أبراج ركنية لتكون بمثابة مآذن، كتلك الموجودة في مسجد دمشق الجامع.

اقتبست تلك المآذن الأبعاد النموذجية للأبراج. وكان الغرض منها، بالدرجة الأولى، أن تكون بمثابة أول مآذن يتم بناؤها في الإسلام، وهو أمر ندركه بكل تأكيد، على الرغم من أنه من المحتمل أنه قد شيدت لجامع عمرو بن العاص في الفسطاط (القاهرة القديمة)، خلال عام 673، أربعة أبراج ركنية، على غرار نموذج دمشق.

غير أنه تمت إعادة بناء ذلك المسجد برمته في الفترة بين عامي 711-712. وبعد بناء الأبراج في المدينة المنورة، تمت محاكاتها لتصبح النموذج القياسي للمئذنة في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وقد جرى بناء البرج، على نطاق واسع، في الحصون. وفي البداية، وصل ارتفاع الأبراج لمستويات أعلى من خلال إقامة أبراج بأدوار مدرجة، كما في جامع القيروان بتونس الذي يرجع تاريخه لعام 836، ويعتقد أنه يحوي واحدة من أقدم المآذن في التاريخ.

يذكر أن بناء الجامع بدأ خلال الثلث الأول من القرن الثامن، ليكتمل عام 836م. في حين تقع أعلى مئذنة بطول 210 أمتار في مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء بالمغرب. وأطول المآذن المبنية من الطوب في العالم هي قطب منار بدلهي، في الهند.

السياق التطوري للمئذنة معمم للغاية، وكثيراً ما كان تصميم المآذن يخضع لتأثير التقاليد المعمارية المحلية. ففي المغرب، وإسبانيا، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تميل المآذن ذات تصميم الأبراج المربعة للتواصل والاستمرار، إلى حد كبير، من خلال تقليد المسجد الجامع الكبير بالقيروان.

كما جاءت الزخرفة للتأكيد على الطبيعة الإسلامية للمئذنة، على وجه التحديد.

بالنسبة إلى المآذن، في بادئ الأمر، كان الفارق الجوهري الوحيد بينها وبين الأبراج أن الأولى كانت لها منصات ذات شرفات الصغيرة، في حين أن الأخيرة كانت لها مساحة فارغة من أجل الأجراس.

كانت المآذن، القصيرة أو الطويلة، الرفيعة أو الضخمة، المثمنة أو اللولبية، سواء تم بناؤها بالطوب أو الحجر، تستخدم لدعوة المؤمنين للصلاة، وتعلن وجود الدين الحنيف بطريقة جلية للغاية.

وفي حين كانت المآذن أجزاء جوهرية من الجوامع، فقد كان من الممكن رؤيتها من بعيد، وتفصح عما بداخلها. ويعزز ذلك الإيحاء الرمزي لدعوة المؤذن للصلاة.

المئذنة هي الجزء الوحيد من الجامع، على الأقل في مساجد الشرق الأوسط، التي لا تعد أفقية في تأكيدها.

ويجري اليوم نقل الأذان عبر مكبرات الصوت التي تعلق على قمم المآذن.

لم تعد الشرفات بحاجة للوصول إليها عن طريق الدرج، وبسبب المبالغة الإلكترونية في الأذان، فإن الارتفاع الرشيق للعديد من المآذن ليس له داعٍ، وظيفياً. ومع ذلك فإنه حتى اليوم، يجري استخدام التصاميم التقليدية في جميع المآذن، منذ ظهور مكبر الصوت، بعضها بنجاح يفوق البعض الآخر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات