عبقرية الإنجاز الهندسي عند المسلمين

أضحى العرب، عند فتحهم لمناطق شاسعة تمتد من الأندلس لآسيا الوسطى، خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، ورثة الحضارات القديمة في تلك الأراضي. وكانت حضارات العراق ومصر وبلاد أخرى موجودة منذ آلاف السنين، وتأثرت ثقافتها بشكل طفيف بغزوات الاسكندر الأكبر والتوسع اللاحق للإمبراطورية الرومانية.

وتواصل استخدام التقنيات التي تم تطويرها في الشرق الأوسط على امتداد عدة قرون من قبل السكان الأصليين، كما جرى نقل الكثير منها لروما واليونان.

كانت الاسكندرية مركزا للثقافة، إلا أن العديد من العلماء قدموا من سوريا ومصر وغيرهما من دول الشرق الأوسط. وفي العقود الأولى من إمبراطورية العرب، جاء المهندسون من الأراضي التي شملتها الفتوحات الإسلامية.

وكتب المؤرخ البلاذري يقول إنه لم يتم الإشراف على أعمال حفر أولى القنوات لمدينة البصرة إلا من قبل مهندسين عراقيين، ممن كانوا مسلمين، ويستخدمون اللغة العربية في معاملاتهم المكتوبة.

وقد بث النمو السريع لكل من الإسلام واللغة العربية حياةً جديدة في الحضارات القديمة، وأفضى بناء المدن الكبيرة وازدهارها على نحو سريع، كبغداد والبصرة والفسطاط وقرطبة، لطلب هائل على المهندسين في ذلك الوقت.

لقد كانت المدن مراكز للإدارة والتمويل والتجارة والأنشطة الفكرية بجميع أنواعها.

وخلال ذلك الوقت، طرأت ثورة في الزراعة، مع إدخال محاصيل وتقنيات جديدة، وتوسيع نطاق الأراضي المزروعة.

ووفقا لذلك النشاط، جاء الطلب على المهندسين لتمديد وتحسين نظام الري، وبناء المنشآت، وتوفير إمدادات مياه كافية للمدن والبلدات الجديدة. وبصورة متساوية حظي المهندسون من ذوي الخبرة، ممن أقاموا القنوات، وهي ممرات تحت الأرض لجلب المياه من التلال إلى الحقول والمجتمعات، بتقدير كبير. ولقد اهتم بعض أعظم العلماء في ذلك الوقت، كالبيروني وابن الهيثم، وعبدالرحمن الخازني، بالمسائل الهندسية.

لقد استقينا معلوماتنا عن علم الهندسة في الإسلام من كتب الجغرافيين العرب، والمؤرخين، والرحالة، ناهيك عن الاكتشافات الأثرية، ومعروضات المتاحف، ومن بعض الأطروحات القيمة التي دونها مهندسو ذلك الوقت. وكان الكُتّاب مهندسين وعلماء بارزين، عينتهم الدولة في العمل العام. فضلاً عن أن الأطروحات تمدنا بالكثير عن الهندسة الإسلامية.

إذ لعب بنو موسى، وهم 3 إخوة، أبناء موسى بن شاكر، ممن عملوا في بغداد خلال القرن التاسع، لعبوا دوراً هاماً في الثقافة والحياة الاجتماعية في بغداد، في ظل الخليفة المأمون ومن أعقبوه.

وكانوا علماء متفوقين في مجالات الفلك والرياضيات والهندسة، كما أنهم جذبوا حولهم علماء آخرين. وقد تم نشر كتابهم عن «الحيل» في عام 850 م، وبشكل أساسي من قبل الأخ الأوسط أحمد بن محمد بن موسى. ويعتبر عمل بني موسى مميزاً في مجال الهندسة.

أما كتاب العالم الجزري العظيم، وهو كتاب علم الأجهزة الميكانيكية البارعة، بمثابة أهم وثيقة جاءت إلينا من العصور القديمة حتى عصر النهضة. ويرجع ذلك جزئيا لأن الجزري قدم تعليمات مفصلة مع رسوم توضيحية، لتمكين الحرفيين مستقبلاً من إعادة بناء أجهزته.

لقد كانت أوروبا، في ذلك الوقت متخلفة بالمقارنة مع العالم الإسلامي، وظلت كذلك طوال العصور الوسطى، حيث كانت تتلقى الأدوات والأفكار الهندسية من العالم الإسلامي المتقدم. وفي حين لا يوجد هنالك شك في أنه قد جرى نقل الأفكار الإسلامية لأوروبا، فإنه ليس من السهل تتبع المسارات التي تمت من خلالها عمليات الانتقال تلك. فضلاً عن أنه لا توجد ترجمة معروفة للأطروحات الهندسية العربية للغات الأوروبية.

لكن في جعبتنا، مع ذلك، عمل يدعى «كتاب علم الفلك»، الذي تم إنجازه في عام 1277 بتوجيه من ملك قشتالة ألفونسو العاشر. ويتألف الكتاب من ترجمة للأعمال العربية، التي جرى فقدان النسخ الأصلية منها في معظم الحالات. وقد تمثل الغرض الصريح في جعل معرفة المسلمين متاحة للعلماء الإسبان.

ربما وصلت معظم أفكار المسلمين لأوروبا من خلال عمليات التواصل بين الحرفيين. ولقد قدم المسلمون أساليب الري الخاصة بهم إلى الأندلس، ويدلل على ذلك العديد من الكلمات ذات الأصل العربي. كما توجد هناك سجلات المنشآت الصناعية للمسلمين، والتي استولى عليها المسيحيون إبان احتلالهم الأندلس. وبإمكاننا اليوم رؤية مظهر من مظاهر الهندسة الإسلامية في طليطلة، حيث لا تزال تشمخ ساعتان مائيتان كبيرتان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات