العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مؤتمر حلف الناتو وروسيا

    مؤتمر حلف الناتو الأخير الذي انعقد منذ أيام في وارسو جاء مستفزاً ومستهدفاً لروسيا بشكل واضح، كما يقولون، ففي الوقت الذي يعاني فيه العالم كله، وخاصة الغرب من الإرهاب بأشكاله المختلفة، وتعاني أوروبا من زحف تنظيم داعش نحو قلبها وتهديداته بتفجيرها، وتعاني الولايات المتحدة الأميركية من مشاكلها المزمنة مع العنصرية والإرهاب البوليسي.

    وتعاني تركيا، العضو في حلف الناتو، من تكرار التفجيرات الإرهابية في مختلف مدنها ومطاراتها، وسط كل هذه الموجة العارمة من الأحداث يذهب حلف الناتو في اجتماعه في وارسو ليكرس أجندته الرئيسية للعداء مع روسيا معتبراً أنها تشكل الخطر الأكبر على الأمن العالمي، والأوروبي بالتحديد، وأنها تشكل تهديداً مباشراً لجيرانها في أوروبا الشرقية.

    ويخرج حلف الناتو في قمته التي عُقدت يومي الـ 8 والـ9 في وارسو، بتعزيز الجناح الشرقي المواجه لروسيا؛ حيث سيتم نشر أربع كتائب عسكرية في دول البلطيق وبولندا.

    من أجل فهم هذا الأمر، يجب أن نحدد في البداية بوضوح: من المستفيد من هستيريا معاداة روسيا في قمة الناتو؟ - المستفيد أكثر من واحد. أولاً - كتلة معاداة روسيا داخل الحلف بولندا ودول البلطيق. ثانياً الولايات المتحدة، وثالثاً بلدان ليست أعضاء في الحلف، ولكنها تسعى من أجل ذلك مثل أوكرانيا.

    لماذا هذه الهستيريا في وارسو من قبل كييف وفيلنوس ووارسو وريغا؟ المسألة معروفة ولا تحتاج إلى توضيح، إنها خدمة المصالح الأميركية، ولكن ما حاجة واشنطن إليها؟ إن موضوع "الخطر الروسي" بالنسبة إلى الولايات المتحدة، هو أداة للسيطرة السياسية على أوروبا وللحفاظ على بقاء حلف الناتو كقوة حامية للأمن الأوروبي تحت هيمنة واشنطن.

    وكوسيلة لكسب المليارات من الدولارات مقابل الأسلحة التي يبيعها المجمع العسكري الأميركي للدول أعضاء الحلف، طبيعي أنه عندما تكون العلاقات السياسية بين موسكو والغرب طبيعية وهادئة، تظهر داخل الحلف حالات تردد وارتباك. ويبدأ بعض ساسة أوروبا يسأل: لماذا علينا إطاعة أميركا والسير خلفها؟ وهل فعلاً نحن بحاجة إليها؟

    ولكن، عندما يظهر في الأفق "الخطر الروسي المرعب"، تصبح هذه التساؤلات عبارة عن هذيان. وتظهر لدى ساسة الولايات المتحدة إمكانية إصدار الأوامر إلى حلفائهم في أوروبا.

    وطبعاً، يشعر جنرالات أميركا والمجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة بالسعادة لأنهم يستطيعون ابتزاز الأوروبيين ومطالبتهم بزيادة التمويل العسكري، وبدون ذلك ستصبح أميركا وحلفاؤها من دون حماية أمام نوايا بوتين العدوانية المزعومة، أي بمعنى آخر يركز الناتو جهوده على ردع تهديد الشرق المزعوم.

    كل هذا العداء لروسيا في الوقت الذي يجمع فيه غالبية المحللين والمراقبين والسياسيين على أنه من مصلحة الغرب التعاون مع موسكو. ذلك لأنه في حوزة موسكو أوراق رابحة عديدة.

    وليس كما يحاول الناتو إقناعنا بأن روسيا عدواً شريراً وضعيفاً في نفس الوقت، روسيا ليست عدواً وليست شريرة، وأيضا، وهو الأهم ليست ضعيفة، روسيا الجديدة دولة متعاونة في كافة القضايا والمشاكل الدولية، ودولة حريصة على الأمن الأوروبي الذي هي جزء لا يتجزأ منه.

    لقد فرضت روسيا نفسها على موازين القوى العالمية وبقوة، خاصة بعد استردادها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014، وبعد تدخل روسيا العسكري في سوريا، والذي لم يكن يتوقعه أحد، وهو الحدث الذي قلب كافة الموازين، وكشف أشياء كثيرة لم تكن واضحة على الساحة..

    وكان لهذا التدخل تأثير كبير على القوى الأخرى التي كانت تتحرك في الميدان، سواء الإقليمية منها، مثل تركيا وإيران، أو الدولية، مثل الولايات المتحدة، فقد تنحى الجميع جانباً تاركاً الميدان للعسكرية الروسية التي ملأت سماء سوريا بطائراتها ولم تدع مجالاً لتدخل أي من القوى الأخرى التي آثرت تفادي الصدام مع روسيا، بما في ذلك التحالف الذي تقوده واشنطن.

    ولم تترك موسكو الفرصة لخصومها ليكيلوا لها المزيد من الاتهامات، فذهبت لتعلن عن سحب جزء كبير من قواتها وطائراتها من سوريا، وذهبت لتدعم مفاوضات جنيف وتحث القوى والفصائل السورية على المشاركة فيها، ولم تجد الولايات المتحدة أمامها خياراً آخر سوى دعم التحركات الروسية وتأييد المفاوضات..

    وهناك بالفعل فريق في الإدارة الأميركية يدعم مواقف روسيا ويؤيدها، وأقر بذلك وزير الخارجية الأميركي جون كيري، والكثيرون يرحبون بضربات روسيا للإرهاب في سوريا، والأوروبيون على رأسهم، ورغم هذا يذهب البعض في واشنطن وحلف الناتو لتصعيد العداء مع روسيا ويضعها في مصاف المخاطر التي تهدد الأمن العالمي.

     

    طباعة Email