لقد جرى تصوير دونالد ترامب، الذي يمثل اليوم المرشح الجمهوري لمنصب الرئاسة الأميركية، كشخص منمق، وغير مُطلع، فضلاً عن أنه متناقض ذاتياً. وقد عمل خطابه عن السياسة الخارجية، الذي أسس فيه لسياسة «أميركا أولاً»، والتي وصفها معلقون بأنها «متناقضة وتفتقر للتفاصيل»، على فعل القليل لإقناع الناس بخلاف ذلك الأمر. حتى إن رئيس تحرير «ناشيونال إنترست»، وهي المجلة المحافظة التي رعت الخطاب، اعترف بأن قناعاته لم تتغير عبر «ادعاءات ترامب».
لكن ما الأمر الذي أخطأ بشأنه ترامب بالفعل، ويجب على آسيا القلق إزاءه؟ فبعد كل شيء، حتى لو خسر ترامب في شهر نوفمبر المقبل، فإن تصريحاته الجامحة تشير إلى اتجاه خطير في السياسة الأميركية، يجعل العالم مكاناً أكثر خطورة.
يتعين على استراتيجيات الغرب في التدخل التي فشلت، والتي قادتها أميركا، إجبار آسيا، التي تعد أكثر مناطق العالم تنوعاً ثقافياً، وتضم أكبر عدد من السكان والنشاطات الاقتصادية، ناهيك عن أكبر عدد من المسلمين، على اقتراح نهج خاص بها لحل الأزمات الدولية، والتقليل من عدم الاستقرار العالمي.
وبغض النظر عمن سيصبح رئيساً لأميركا، تحتاج آسيا للتفكير ملياً بشأن ما سيحدث، في الوقت الذي يتغير، لا محالة، دور كل من أميركا والصين في المنطقة، وكيف أنه يجب أن يحل «المبدأ الآسيوي» محل الاعتماد على سياسة خارجية أميركية، تجمع بين كل من الهيمنة الاقتصادية، والحفاظ على السلام، والحماية من خلال القوة العسكرية المتزايدة.
توجد أسباب كثيرة لإعادة التفكير، يتمثل أحدها بجنوب شرق آسيا، التي باتت اليوم جبهة جديدة لما يسمى بـ «تنظيم داعش»، في إندونيسيا وبنغلادش والفلبين. وهذا يعزز مجدداً ما يدركه كثيرون خارج الدول الغربية منذ زمن طويل، أن التدخلات الغربية المستمرة لا سيما في الشرق الأوسط جعلت العالم مكاناً أكثر خطورة.
ومع ذلك، فإن الكثير من المؤسسات الغربية ونخب السياسة الخارجية لا تزال تعتقد أن استخدام القوة أمر مفيد وخيار سياسة خارجية مقبول أخلاقيا. تظهر المقابلة الأخيرة للرئيس الأميركي باراك أوباما في مجلة «أتلانتك» مدى ترسخ فكرة التدخل في واشنطن. إذ يمكن للمرء أن يقرأ تعليقات تلو الأخرى في الصحف الغربية، تؤكد أن الفوضى في سوريا نابعة من عدم التدخل بشكل كاف.
ويظهر دونالد ترامب، الذي يثبت نفسه كمتمرس في معرفة ما يرغب قسم واسع من عامة الشعب الأميركي في سماعه، ويريد أن يصدق جمهوره أن بلادهم تمتلك أفضل ما في العالمين، ألا وهما سياسة خارجية تتميز بالانعزالية، وتدخل عدواني لتحقيق «الأمن الأميركي»، أخذاً بادعاء دونالد ترامب أن الحلفاء الأميركيين يجب أن يدفعوا من أجل حماية الحكومة الأميركية، حتى لو أن أميركا، وفقاً لترامب، تهدف بشكل أحادي لمواصلة توجيه القوة حول العالم.
الشعور الذي يراود مؤيدي ترامب، بأن لديه «القابلية لرمي قنبلة نووية».
واستخدم زملاء ترامب الجمهوريون لغة مماثلة عند حديثهم عن استهداف تنظيم «داعش»، إلا أن استخدام القوة ليس هاجساً جمهورياً وحسب. فقد دعا الرئيس التنفيذي السابق لشركة «بوليتيكو»، جيم فاندهي، في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لإيجاد حزب ثالث يمكنه «استثمار عامل الخوف» بالنسبة إلى الإرهاب. وتنبأ كثيرون في واشنطن بأن هيلاري كلينتون ستكون أكثر تشدداً من الرئيس باراك أوباما.
فبصفتها وزيرة للخارجية، عمدت للدفع بحلول أكثر عدوانية تجاه مشكلات العالم.
آسيا تحتاج للنظر لأبعد من الانتخابات الأميركية المقبلة، وألا تتطلع لرئيس أميركي أفضل وحسب؛ إذ لا تحتاج المنطقة الأكبر من حيث عدد السكان في العالم لأن تكون مدينة بالفضل لسياسة أميركا الخارجية، وحضورها العسكري الكبير، الذي يجمع بين تقديم عرض لحماية الأصدقاء، و«إثارة الصدمة والرعب» للأعداء.
وبالنسبة إلى كثير من الناس حول العالم فإن أميركا تبدو، على نحو متزايد، كقوة كبيرة تواجه خطر فقدان خط سيرها في عالم اليوم، الأكثر تعقيدا، واعتمادية، على الرغم من إسهاماتها الكبيرة في المجالات الأخرى.
تعد حملة دونالد ترامب «أميركا أولاً»، أكثر أنواع ثقافات الصراخ السياسي حدة، والتي ترى في القوة أمراً أساسياً لأي حل سياسي. وبغض النظر عما إذا كنت تعتقد بأن حضور أميركا في المنطقة قد كان أمراً جيداً أو سيئاً في الماضي، إلا أنه يجب على آسيا ألا تعتمد على القوة الأميركية باعتبارها أساس النظام الإقليمي في المنطقة.
وأخيرا، تعتبر سنغافورة مثالاً على «القوة الآسيوية الناعمة».
وتقدم الدولة نفسها باعتبارها نموذجاً للدول الأخرى. ولا تطالب سنغافورة الحكومات بالتغيير، بل تمنحها سبيلاً للتغيير، على غرار ما فعلت في الصين في ثمانينيات القرن الماضي. وسواء وافق المرء أم لم يوافق على الحكم السنغافوري، فإن نهج حل المشكلات هذا يعتبر أحد أكثر المناهج التي قد تلاقي قبول البلدان بالمقارنة مع المحاضرات، والعقوبات، والتهديدات العسكرية، التي عادة ما ترافق الدبلوماسية الغربية، والتي يقع الكثير منها على آذان صماء.
ذلك مجرد نهج واحد موجود في آسيا، وهو ليس بصبغة رسمية، ويرافقه أحياناً مصالح ذاتية، إلا أنها بداية جيدة، في حال كنا بصدد إيجاد مبدأ سياسي جديد خالٍ من كل من الحروب وعدم الاستقرار الذي أوجده الغرب في الشرق الأوسط وأوروبا حالياً.
سيكون بإمكان آسيا التي تتمتع بالثقة، إيجاد جمهور عالمي يتقبل أفكاراً جديدة، وربما جمهور غربي سئم من عمليات التدخل.
وحينما تتواصل التهديدات الغربية ضد استقرار العالم فلا يمكن لآسيا البقاء صامتة أكثر من ذلك.