الأدب باعتباره فناً راقياً

خلال العهدين العباسي والأموي، كان الشعر مرتبطاً بالموسيقى. وازدهرا في دوائر البلاط. وكانت للشعراء والموسيقيين مكانة رفيعة، وعوملوا بصورة سخية. وكان لبعضهم حياة عملية متألقة مثل نجوم هوليوود ومغني الأوبرا اليوم. وعلى عكس فنانين آخرين، فإن أصالة إبداعهم كانت موضع إعجاب، وخلدت في الحوليات التاريخية ودوائر المعارف المتعلقة بسير الحياة.

وكان لشاعر البلاط مكانة مميزة. وانتمى الخلفاء الأمويون والعباسيون أنفسهم إلى دوائر الشعراء والنقاد. وكان بعضهم أيضا من الموسيقيين.

وأدخل الخليفة الأموي الوليد بن يزيد (743-44) تجديداً كبيراً على الشعر. وكان الخليفة الملقب بابن المعتز، الذي تقلد سدة الخلافة يوماً واحداً، مؤلفاً لعمل بارز في النقد الأدبي. وبحسب ما جاء في كتاب «الأغاني» للأصفهاني فإن الشعر في صدر الإسلام كان ينشد.

وألف الأصفهاني عملا عن الشعر العربي بدءا من عصور ما قبل الإسلام وصولاً إلى القرن العاشر الميلادي. ويجمع الكتاب بين الشعر والأغاني وتاريخهما الاجتماعي، المليء بالطرائف ويقدم وصفا لجلسات الخطاب الفني ذات الطابع الأكاديمي، وللمشاهد الترفيهية، التي احتلت الفكاهة مكانة مهمة فيها.

وكان الشعر ينظم لكثير من المناسبات والأغراض، ويمكن أن تكون الموضوعات الشعرية ساخرة أو غنائية أو صوفية. وقد احتفى الشعر بالحرب والطبيعة والصيد والدين وأحداث الحياة اليومية. ويمتلئ الأدب التاريخي بالشعر المدرج في نص للتعليق على الحدث الذي يتصل به.

ولم يكن الشعراء المحترفون هم وحدهم من ينظمون الشعر بل أشخاص من كل الطبقات ومن كلا الجنسين.

وغالباً ما يتناول الشعر موضوعات تتعلق بالحياة اليومية، مثل ملابس النساء وأحذيتهن ومناديلهن وحليهن وسجاجيدهن..إلخ.

وتناول الشعر أيضا موضوعات تتعلق بالحب واستخدم لوصف مشاعر الشعراء.

وأشار كتاب الأصفهاني إلى أن الخليفة المأمون قرأ ذات مرة قصيدة منسوجة في إحدى سجاجيده، وأسعدته للغاية بحيث انه أمر موسيقار البلاط اسحق الموصلي بتلحينها، وأصبحت القصيدة في النهاية أغنية شهيرة.

وكان تطور الثقافة في العصر العباسي تعبيرا عن الاحتياجات الجمالية للمجتمع الحضري الراقي. وكان مصطلح «الأدب» يعني أصلاً العادة أو العرف. وبمرور الوقت أصبح المصطلح يصف رقي الروح والتحضر والمجاملة.

وبحسب المستعرب غابرييلي كان المصطلح موازيا للفظ اللاتيني«urbanitas»، الذي يشير إلى الرقي الحضري.

وكان الأدب نهج حياة.

وكان مصطلح «ظريف» أو الرجل المهذب يعني أيضا الودود والمساعد والاجتماعي والصبور والمسامح. وكي يبعث الرجل الظريف برسالة ما كان يكتب كلماته مزينة بخيط من حرير مذهب مشبع بالمسك أو الزعفران.

وكانت الحضارة العربية تمجد الطعام الراقي، وبحسب الثقافة الأدبية كان على «الظريف» أن يعرف فن الطبخ على غرار ما كان يتوجب عليه أن يكون عالما بقواعد النحو. وتوجب على هذا الشخص في حال نزل ضيفاً في مكان ما أن يقتبس شعراً ملائماً وقت الاجتماع على المائدة، والتحدث عن موضوعات تتعلق بالطعام. وتعامل الخلفاء المهتمون بالأدب في فترة بغداد الكلاسيكية مع موضوعات كثيرة تتعلق بالشعر والموسيقى، ومع كل جوانب الحياة بما فيها المطبخ.

وكان الشعراء يحتفون بالطعام الجيد، وألفوا عدداً من كتاب القرون الوسطى كتباً عن الطبخ. وكانوا في هذه الكتب يقتبسون من القرآن الكريم ومن الأدب الفلسفي والتاريخي. واعتبروا فن الطبخ إنجازاً ثقافياً يستحق أن يوثق.

وكان الخليفة المعتصم (833-42) ينظم منافسات للطهي حيث كان من المفترض على كل منافس أن يقدم طبقاً مميزاً كي يتم تقييمه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات