الإنسان الطامح يتنافس في ميادين الخير والعطاء، ويتسابق إلى قمم الجود والسخاء، وتزداد هذه الهمة تألُّقاً في شهر رمضان المبارك، لأنه شهر الجود والبذل والإحسان، والمحسن يسعى فيه إلى مزيد من الأجور والثواب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام في كل ليلة من ليالي رمضان فيدارسه القرآن، فلرسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.
والمال الذي يجود به الإنسان على قسمين، قسم منه صدقات مستحبة، وقسم منها زكاة مفروضة، ولكلِّ قسمٍ ضوابطُ وآدابٌ لابد أن يراعيها المتبرع، والزكاة شعيرة عظيمة، وهي من أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وهي حقُّ الفقراء في أموال الأغنياء، ولها أهمية كبرى في حياة المسلم، فهي تعوِّده على حب الإنفاق، وتنمي فيه ملكة الشعور بالآخرين، وتقوي روح التكافل الاجتماعي، وتزيد من التلاحم المجتمعي، وتنمي المحبة بين الأفراد، وتسد حاجات الفقراء والمحتاجين، وهي تزكيةٌ للنفوس، وغرسٌ للمشاعر النبيلة، وتطهيرٌ من المشاعر السلبية، فهي تطهر نفوس الأغنياء من الشح والبخل، وتطهر نفوس الفقراء من الحقد والحسد، إلى غير ذلك من الثمرات الكثيرة للإنفاق.
ولقد حثت الشريعة الإسلامية على البذل والإحسان في نصوص كثيرة، ووعدت على ذلك بالأجور الجزيلة، فمن أدى زكاته وأنفق من حر ماله وعده الله بالخُلْفِ العاجل والثواب الهائل، قال تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}، وفي الحديث القدسي: «قال الله تعالى: يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك» أي أعطيك عوض ما أنفقت بل أكثر منه أضعافاً مضاعفة، مصداقاً لقوله: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}، فيا أهل الإنفاق؛ أبشروا وأمِّلوا، ولا تظنوا أن ما تبذلونه في ميادين الخير يُنقص من مالكم شيئاً، بل بقدر ما تنفقون تُكافَؤُون، وبقدر ما تبذلون تجنون الثمار العظيمة، وخزائن الله ملأى لا تنقص بالعطاء، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر»، فالله تعالى يُنفق كيف شاء، ويخص المنفقين بعظيم العطاء، قال بعض العلماء: إن الله سبحانه لحبه للإنفاق يرسل الفضل إلى من ينفقه لا إلى من يمسكه.

وميادين البذل مفتوحة أمام المحسنين، وهي متنوعة، فليشمروا عن ساعد الجد، {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}، ولكن ينبغي التنبيه على أمر مهم، وهو أن الإنسان قد تغلبه العاطفة أحياناً، فيندفع بحسن نية فيضع تبرعه في غير المكان الصحيح، فقد يتعرض الإنسان لمكالمة هاتفية ممن يدعي أنه محتاج، أو قد يعترضه شخص في السوق أو غيره ويطلب منه مساعدة لنفسه أو لبناء مدرسة أو لدعم جهة ما، والمتبرع لا يعلم حال هذا السائل، ولا يعلم حقيقة الجهة التي يجمع لها، وقد يكون الرجل كاذباً في دعواه، فيكون المتبرع قد وضع ماله في غير محله، وقد يكون الرجل صادقاً ولكن الجهة التي يجمع لها التبرعات جهة مشبوهة، فيكون المتبرع قد وضع ماله فيما يضر بالمسلمين، فعلى المتبرع أن يكون حَذِراً من ذلك، وأن يحرص على إيصال ماله إلى المستحقين، ليكون سبباً في حصول النفع الحقيقي والفائدة المثمرة، والمجتمع اليوم والحمد لله على جانب كبير من الوعي تجاه هذه المسألة، وقد أخذ دروساً وعبراً من الماضي، فكم تلاعب التنظيم السري للإخوان المسلمين بأموال المتبرعين لخدمة أجنداتهم وتمويل مشاريعهم، فأضروا بأنفسهم، وأضروا بغيرهم، حتى انكشفت ألاعيبهم، قال تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}.
ومن الأبواب التي ينبغي على المتبرع الاهتمام بها: العناية بالأرحام من ذوي الحاجة والفقر، فهم أولى الناس بالإحسان، وثواب مساعدتهم وإيصال الخير إليهم أعظم، ففي الحديث النبوي: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة»، ولما أراد أبو طلحة رضي الله عنه أن يمتثل قوله سبحانه: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بأن يضع صدقته في الأقربين، ففعل، وإذا حقق ذوو الأرحام هذا التكافل فيما بينهم عمَّ المجتمع خيرٌ عظيم، وحصل الاكتفاء، وسُدت الحاجات، ففي الحديث الشريف: «ما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون».
ومما ينبغي على المتبرع الاهتمام به أيضاً: الحرص على التعاون مع الجهات الموثوقة الرسمية في الدولة، والتي تُعنى بوضع أموال التبرعات في مصارفها الصحيحة، مثل جمعية الهلال الأحمر وصندوق الزكاة والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف التي تُعنى بخدمة التبرع والوقف وغيرها من المؤسسات الرسمية الأخرى التي تباشر العمل الخيري والإنساني والمنتشرة بحمد الله في ربوع دولتنا المباركة، فإنها تتعامل مع التبرعات وفق ضوابط متينة، وتحرص على وضعها في مصارفها السليمة، ليتحقق المقصود منها، ويحصل النفع والفائدة.
كما ينبغي على المتبرع أن يحرص على الإخلاص لله، واحتساب الأجر عنده سبحانه، وأن يفتح يديه في ميادين الخير؛ لينال الأجر العظيم من المولى الكريم.