ظاهرة التحرش عالمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما هي حكاية ظاهرة التحرش؟ هل هي مرض نفسي؟ أم هي سلوك بشري قديم وعادي، تزداد حدته أحياناً ويثير مشكلات أحياناً أخرى، أم أنها موقف غير معلن من المرأة؟ أم أنه ادعاء باطل من قِبل المرأة؟ أو غير ذلك من الأسباب!

البعض من النساء يؤكد أن التحرش في كل مكان حتى في تلك الأماكن المقدسة! سواءً عند المسلمين أو غيرهم من الديانات الأخرى، وهناك تحرش أيضاً في المحافل السياسية وحتى تحت قبة بعض البرلمانات، وقد ظهر الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين في إحدى جلسات البرلمان الروسي وهو يمد يده متحرشاً بإحدى السيدات، وأثار المشهد ضحك الحضور، لكنه في حد ذاته شكل من أشكال التحرش.

ومن الأرقام والإحصاءات في هذا المجال، أكدت 60 % من البرلمانيات اليابانيات تعرضهن للتحرش الجنسي، سواء في الشارع أو تحت قبة البرلمان، هذا مصدره وكالة «كيودو اليابانية للأنباء»، والمجتمع الياباني بطبيعته مجتمع محافظ ومتمسك بتقاليد وآداب قديمة لم تؤثر فيها ظواهر الحداثة والعولمة، ورغم أن اليابان تحتفل هذا العام بمرور 70 عاماً على حصول النساء على حق الاقتراع، إلا أن النساء لم يمثلن سوى 9.8 % من المقاعد في البرلمانات المحلية على مستوى اليابان كلها، ورغم هذا يتعرضن للتحرش، ولا تحميهن حصانتهن البرلمانية ولا أنهن نائبات عن شعب راق ومتحضر.

وانتشرت ظاهرة التحرش بشكل كبير في دول «الربيع العربي» المزعوم، وساعد على ذلك تراجع وضعف أجهزة الأمن وهيبة رجال الشرطة في هذه البلدان.

حتى في إسرائيل التي تتشدق بديمقراطيتها المزعومة، وتدعي كذباً أنها تحترم حقوق الإنسان وتصونها، تشكو المرأة الإسرائيلية من التحرش الجنسي، حيث تؤكد 90 % من عضوات الكنيست الإسرائيلي تعرضهن لتحرش جنسي، وتطرح القضية للنقاش في الكنيست كثيراً دونما اتخاذ أي إجراءات مضادة.

يبدو أن المرأة مهما كان وضعها السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي تثير رغبة الرجال، وربما بعض النساء يتعرضن للتحرش بجرأة وقحة من دون حياء أو خوف من ردود فعل الطرف الآخر.

ومن ذلك تحرش بعض الرؤساء في الدول الأوروبية وغيرها، ببعض العاملات تحت إدارتهم وهذا من العجب العجاب، وأشهر الحالات على هذا، حالة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مع موظفة البيت الأبيض مونيكا لوينسكي، والتي أصبحت قصة شهيرة في تاريخ «التحرشات الرئاسية».

علماء النفس الطبي، وعلماء الاجتماع لم يعكفوا بعد على دراسة هذه الظاهرة، بل إن بعضهم يعتقد أنه سلوك إنساني طبيعي منذ بدء الخليقة باعتبار المرأة دائماً مرغوبة من الرجل، والأمر يختلف نسبياً في المدن والقرى حسب حجم المجتمعات وقوة العلاقات الاجتماعية، لكن على ما يبدو أن الأمر يحتاج إلى وضع دراسة أو دراسات معمقة حول هذه الظاهرة تاريخياً واجتماعياً ونفسياً، ولتشمل الدراسة معظم دول العالم سواءً في الشمال أو الجنوب وحتى الشرق والغرب والوسط.

من المعروف أنه في بعض الدول العربية، تخشى المرأة عن البوح بما تتعرض له خوفاً من الفضيحة والعار ومحافظة على القيم، وهذا بحد ذاته يدفع البعض للاستمرار بالتحرش من دون خوف، لأن سلوكه الشاذ يحميه سكوت النساء عن البوح به لأقرب الناس لهن، وقد يشجع هذا السكوت المتحرش إلى تطوير سلوكه الشاذ إلى مستوى الاعتداء على المرأة، وهذا يحدث كثيراً.

نحمد الله أن المرأة في مجتمع الإمارات محمية من هذا السلوك غير الأخلاقي، وبعض الحوادث النادرة لا تعكس أي مستوى لهذه الظاهرة النادرة في مجتمعنا، والسبب يرجع إلى حماية المجتمع والدولة للمرأة وحقوقها، وأيضاً القوانين الصارمة ضد المتحرشين،

رغم هذا كله فقد آن الأوان لدراسة هذا السلوك غير السوي بشكل علمي بهدف مقاومته، ووضع حد لانتشاره، وللإعلام ودور العلم والمساجد دور كبير في الحملة ضد هذه الظاهرة غير الأخلاقية، ولأجهزة الدولة الأمنية والقضائية دورها أيضاً، وكل هذا بهدف حماية وجود المرأة في المجتمع، لأن الاعتداء عليها هو اعتداء على المجتمع كله، فهي الأم والأخت والابنة والزوجة والزميلة والجارة والقريبة.

طباعة Email