قرطبة تحت الحكم العربي

يمكن أن تقاس عظمة قرطبة، من خلال عدد شخصياتها الشهيرة في الفن والعلوم، الذين ولدوا وعاشوا هناك خلال الحكم العربي. ومن بين هذه الشخصيات، شعراء مثل ابن عبد الربيحي وابن هاني وابن زيدون وابن حيان، المؤرخ الذي كتب تاريخ إسبانيا في ما لا يقل عن ستين مجلداً (فُقد معظمها اليوم).

وترجمت كتابات الجراح الرائد أبو القاسم الزهراوي، الذي عمل في مجال الجراحة، إلى اللغة اللاتينية عام 1187، وطبعت في نسخ كثيرة، كان آخرها في أكسفورد عام 1778. وكذلك عباس ابن فرناس، وهو شاعر وعالم فلك عرف باختراعه لطائرة شراعية، وذلك قبل قرون من ليوناردو دافنشي.

ومن بين بعض أبناء قرطبة، ممن عاشوا في سنوات عظمتها، كان الأديب ابن حزم، الذي وصفه البروفيسور نيكولسون بأنه »أحد أعظم العلماء وأكثرهم عبقرية في إسبانيا المسلمة، والفيلسوف ابن رشد)، الذي عرف جيداً في الغرب المسيحي باسم »أفيرويس«، والذي استمر تأثيره في الفلسفة الغربية لمدة طويلة عقب وفاته.

جاء ابن حزم من عائلة مسيحية اعتنقت الإسلام، وولد في قرطبة عام 994. وبتكريس نفسه لخدمة الدولة الأموية، شغل منصب رئيس الوزراء في عهد عبد الرحمن الخامس، ولكن مع سقوط الحكومة عاد وكرس نفسه للأدب.

وذكر ابن خلكان، مؤلف أعظم القواميس الجغرافية باللغة العربية، أن ولد ابن حزم امتلك نحو 400 مجلد، وصل عدد صفحاتها إلى نحو 80 ألف صفحة، وهي من تأليف والده، وقد كتبها بخط يده. وتعرضت معظم هذه الكتابات للحرق في إشبيلية، كتحذير للناس، لمنعهم من قراءة مثل تلك المواد الخطرة.

وربما وصلت مجموعة أخرى من كتاباته إلى إكسمنز رئيس أساقفة المسيحيين، الذي سعى إلى القضاء على إرث سبعة قرون في إسبانيا المسلمة. أهم عمل لابن حزم، هو كتاب الملل والنحل (كتاب الأديان والمذاهب)، الذي يتعامل فيه مع المسيحية واليهودية والزرادشتية.

ويمثل العمل، ربما، أول محاولة جديدة تماماً، وهي جدلية للغاية في ذلك الوقت، كونها جزءاً من الأديان المقارنة. ويعرف ابن حزم اليوم على وجه الخصوص خارج العالم العربي، بأنه مؤلف »طوق الحمامة«. ويمكن مقارنة العمل مع أوفيد آرز أماتوريا، وهو مقدمة كبيرة لمواضيع حول المسألة ذاتها، المتمثلة في أعمال الأديب ستندال »دي لا ميغ«.

وأثر عمل ابن حزم في حركة التروبادوري، التي ازدهرت في حياتنا اليومية. ولا يعرف ابن حزم بأنه شاعر في المقام الأول، ولكن اسمه وجد في الكتاب المنشور حديثاً في أوكسفورد باللغة الإنجليزية.

ومن الجدير ذكره، أن أوروبا تدين للعرب ببعض ترجمات المدارس في قرطبة وتوليدو، وهو العمل الموجود في الشرق تحت سلطة بني أمية والعباسيين في وقت مبكر. وبالتالي، أصبح متاحاً للمسيحيين كل من عمل اليونانيين القدماء وعمل العرب أنفسهم.

وولد ابن رشد عام 1126، في الوقت الذي مرت فيه قرطبة بذروة عملها السياسي والعسكري. وكانت على وشك السقوط في أيدي الموحدين. وأصبح ابن رشد طبيباً لبلاد الموحدين في المغرب. وخدم هناك مع ابن طفيل، الذي ألف رواية »حي ابن يقظان«، والتي ألهمت دانييل دفو المولود في قرطبة بتألفي رواية »روبنسون كروز«. وتوفي ابن رشد في مراكش عاصمة الموحدين، برغم ولادته في قرطبة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات