هل انتهت الحرب الباردة؟ موسكو وبكين، اللتان تشعران بالسخط العميق بسبب القوة الأميركية، تجدان مجدداً قضية إيديولوجية مشتركة. وتستهدفان سوياً دعامتين من دعامات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وهما الإنترنت بلا حدود والمجتمع المدني الدولي، والبلدان يفعلان ذلك بناء على الأساس المعلن المتمثل في السيادة الوطنية.
وقد أثبتت القومية الحديثة أنها أكثر قوة من الأممية الشيوعية، وفضلاً عن ذلك، فإن النهج الصيني الروسي تجاه العولمة له أكثر من صدى في القومية الصاعدة في الغرب، على الأقل فيما يتعلق بالإنترنت.
وإذا لم تكن هذه حرباً باردة تماماً، فإنه من الصعب رؤية كيف يمكن أن تفضي مثل هذه التيارات بأي حال من الأحوال إلى السلام أو الازدهار.
وعقد في موسكو، أخيراً، أول مؤتمر صيني روسي يتعلق بسيادة الإنترنت تحت رعاية »رابطة أمن الإنترنت« التي تحظى بعناية الحكومة الروسية. وعقب ذلك، أقر البرلمان الصيني قانوناً يفوض أجهزة الأمن بإحكام إدارتها للمنظمات غير الحكومية. وتوقيت هذين الحدثين كان من قبيل الصدفة، إلا أن الروابط الإيديولوجية بينهما لم تكن كذلك.
ولطالما دعت روسيا إلى فرض السيطرة الوطنية على المنظمات الدولية غير الحكومية. وبالنسبة إلى روسيا في المرحلة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، تعود فكرة أن المنظمات الدولية غير الحكومية يمكن أن تصبح وكلاء لزعزعة الاستقرار إلى أواخر تسعينات القرن العشرين.
ويمكن أن تساعد المنظمات غير الحكومية الولايات المتحدة أيضاً في سياسة القوة فيما يتعلق ببناء الأمم. وفي أواخر أكتوبر من عام 2001، بينما كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يطردون تنظيم القاعدة وطالبان من أفغانستان، قال وزير الخارجية الأميركي في حينه كولن باول أمام مؤتمر لقادة المنظمات غير الحكومية:
»لقد أوضحت للعاملين معي، وإلى جميع السفراء الموجودين حول العالم أنني جاد حيال التأكد من إقامة أفضل العلاقات مع المنظمات غير الحكومية، التي تمثل عاملاً مضاعفاً لقوتنا، وقسماً مهماً من فريقنا القتالي«.
ويبدو هذا الأمر من الماضي البعيد الآن، لكن في أواخر تسعينات القرن العشرين وأوائل الألفية الثانية، في اللحظة التي كانت فيها القوة الأميركية بلا منازع، كان هناك مجتمع دولي من النوع الذي يبني شرعيته على أساس نجاحات كثيرة تم تحقيقها، وبصفة خاصة إخراج الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين من الكويت في حرب الخليج الأولى والإخضاع الدبلوماسي والعسكري لصربيا.
وقد اعتبر المجتمع المدني الدولي المتمثل في المنظمات غير الحكومية جزءاً من هذا المجتمع.
من وجهة النظر الروسية الرسمية اعتبر هذا الأمر بمثابة كارثة، ومعايشة جديدة لا نهائية لفقدان الدول التي تدور في فلكها من فترة الحقبة السوفييتية. وبدأت الثورات الملونة عام 2003، (الوردية في جورجيا والتي أعقبتها البرتقالية في أوكرانيا والخزامية في قرغيزستان).
ونتج عن هذا الأمر وصول نموذج ثوري غير عنيف عن المنظمات غير الحكومية إلى الحدود الروسية، حيث ألهمت المعارضين للحكومة داخل روسيا كذلك.
وتصدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوة ضد المنظمات غير الحكومية وفرض في عام 2006 قانوناً ينظمها، وعندما عاد في عام 2012 وقع على قانون أشد صرامة مستخدماً لغة الحرب الباردة لمنع مكائد »العملاء الأجانب«.
وقد ألهمت المبادرات الروسية الموجهة ضد المنظمات غير الحكومية الدول الأصغر. ومخاوف روسيا من الثورات الملونة كان منتشراً أيضاً في الصين، التي باشرت بتوسيع قوانينها الرسمية الخاصة بالمنظمات غير الحكومية عام 2005. وبالمثل، أحكمت الصين قبضتها على الصحافة الأجنبية والمستقلة خلال العام ذاته، وهو أمر توصل إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2004.
ومع نهاية عام 2005 قررت الصين ألا تسمح للصحف الأجنبية بطباعة نسخها على أرضها، وهو القرار الذي أوضحه رئيس الإدارة العامة للصحافة والنشر قائلاً: »عندما أفكر في الثورات الملونة أشعر بالخوف، الثورات الملونة تشكل تذكيراً بعدم السماح للمخربين بدخول الدار«.
وعلى الإنترنت، يبدو المعارضون الروس على استعداد للتحدي بشكل كبير.
وعقد المعارضون الأمل على استمرار مقاومة شركات الإنترنت الكبرى السلبية لإصرار الكرملين على »توطين البيانات«، ووضع حياة المواطنين الروس رهن الأراضي الروسية. والتزمت الشركات الكبرى حتى الآن بجزء محدود من الطلبات الروسية الآخذة في التوسع، بإزالة المواد المثيرة للجدل. وبات عدد أكبر وأكبر من الروس يستخدمون خدمات إنترنت مجهولة مثل تور (وهو مشروع قديم للبحرية الأميركية).
ولكن كم تبلغ قوة هذه المواقع؟ من الصعب استخدام »تور«، وإذا زاد عدد الروس الذين يستخدمونه لنحو عشرة أضعاف فإنهم سيظلون يشكلون نسبة صغيرة من مستخدمي الإنترنت. كبريات شركات وادي السيليكون تعمل ضد توطين البيانات في روسيا كما في أماكن أخرى.
ويواصل مكتب التحقيقيات الفيدرالي الأميركي والبنتاغون إصرارهما على أن ولاء شركات وادي السيليكون العملاقة الأول للمصالح الأميركية، سواء تعلق الأمر بفتح نظمها لنفحص أجهزة الأمن، أو لتكريس مواهبها لتطوير أسلحة جديدة، وعدم مشاركة التقنيات مع الدول المتنافسة.
وإذا كانت السنوات العشرون الماضية تمثل دليلاً على ما سيجري، فإن التعاون بين الصين وروسيا سيفضي إلى عزلة مشتركة لمواطني كلتا الدولتين عن المجتمع المدني الدولي وعن الإعلام والإنترنت الدولي.