مع كبيرِ النفسِ لستَ تحتاج إلى وقت مديد لتعْرِف قدره، وتصيب حظّاً من العِلم بسجاياه، فهو يقدِّم نفسه وغِنى نفسِه بتلقائية إنسانية لا شوْب فيها، ومن غير تكليف.

الكبير، نصّ مفتوح، تسعك قراءته من دون أن تتأوّل، وضوحه شفّاف ولا مكان فيه لغامض يتعصّى على التبيّن. وحتى حين تستفهم في داخلك، لِخطأ تأتيه في القراءة على غير قصد، يبدِّد السؤال فيك، ويعيد فهْمك إلى أبجديات البداهة.

قد يكون على صفحة وجهه ما يفْصِح ويبوح من دون اصطناع؛ وقد يكون في ابتسامة منه تشِعّ ما يفْلِق المغلق ويضيء المعْتِم؛ وقد يزيد على الملامح مِلْح لسان ذلِق ينتقي ألفاظه بتهذيب يدلّ عليه؛ وقد لا يتحدث أو يبْتسم، لكنّ الكلام العذب-غير المنطوق-يدّفّق من محياه مثلما يدّفّق العسل من قفير النّحل. قد يكون هذا أو ذاك، وقد لا يكون، لكنه كوْن من كينونة تقول نفسها ببلاغةِ البداهة.

خلفان الرومي من نسْل هذه السلالة من الرجال؛ كبير النفس كان؛ بسيط السلوك والمسلك؛ متواضع الطبائع واللسان. لا يخفي أو يبْطِن؛ يفصِح من غيرِ عجْمة، ويصارح من غيرِ صدمة، ولا يغْترِض في النفس اغتراضًا، وإنْ أتى في القول اعتراضًا. بشاشته تفْضح كِياسته، وهو عنها لا يحيد، كأنها منه المحيّا-والـملْمح الذي لا يتبدّل.

وحين يتكلّم، لا يحتاج إلى الرقابة على الألفاظ، لأنها تخرج من ينْبوع نظيف، ولا تمرّ بالالتباس. مثل كلّ الناس يغضب أو ييأس، ولكنه الغضب المؤدّب الذي لا يرْكب صهوة لفظ سائب، واليأس الذي لا يسطو على مساحات الأمل في النفس. صدقه الداخلي يسبق صوته ويستوطنه، ويسري في الكلمات مسرى الحياة في كائن حيّ. فيه من السلام الداخلي (السلام مع النفس) مقدار كبير يجعله عفيفًا، وبعيدًا من الّلجاج والتوتّر.

وفيه من رباطة الجأش ما يزوِّج في داخله الحكمة إلى الشجاعة. لا يتنازل عمّا هو في حكم المبدئيِّ عنده، لكنّه لا يعطيك الانطباع بالعناد، لأنه لا يعرف سبيلاً إلى المناكفة ولا يحْسِن يتْقِن مفرداتها. وله من التسامح كمية خرافية، ولكنه ما لان، يومًا-حدّ الانكسار، ولا حاد عن إبداء الحزم الضروريِّ الذي يميّز حدّ التسامح من حدّ التفريط.

عروبيّ صادق، هو، من دون أن تصطدم فيه العروبة مع الوطنية (الإماراتية) أو تتجافيان؛ فهما عنده معدنان نفيسان لا يقْبلان المقايضة؛ وهما عنده بمنزلة الوالدين، ولا مكان عند المرء لمفاضلة بين الوالديْن. يحدّثك عن الإمارات وأحوالها بالقدر عينِه من العلم والحماسة التي بهما يحدّثك عن مصر والعراق وسورية والمغرب، فهي جميعها بلاده، وأهلها أهله، وما يلمّ بها يلِمّ به، وما يعِزّ أمرها يعِزّه.

ورجل دولة، هو، تقلّد أعلى المناصب في الدولة، وتقلّب في المسؤوليات منذ خمسة وأربعين عامًا، ولكن من دون أن تصطدم فيه الصفة السياسية بالمثقف الذي يسكنه؛ يحدّثك في السياسات الداخلية، مفتخرًا بما أنجزته دبيّ والشارقة ودولة الإمارات، وفي السياسات العربية، بمشكلاتها وممكناتها، وفي الوقتِ عينِه لا يقاوم رغبةً جامحةً تسْكنه في أن يخوض معك في حديث ممتدّ في التاريخ..

وتراث الإسلام، والحداثة الغربية، وثورة الإعلام وآثارها الإيجابية في المعرفة والسلبية في القيم، وأزمة الأخلاقيات في ثورة الطبّ الحديثة، من دون أن ينسى مطارحتك الشعر وأدب النوادر. جمع جمعًا فذًّا، بين حكمة رجل الدولة المسؤول وتلقائية المثقف وشطْحاته.

عرفته بهذه الصفات، منذ مطلع هذا القرن، من طريق صديقيْه الراحليْن: تريم عمران وعبد الله عمران. توطدت علاقتي به في كلّ مرّة زرت فيها الإمارات وشاركت، إلى جانبه، في ندوة من الندوات. ثم أتيح لي أن أصبح عضوًا في »مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية«، التي يشرف عليها »نادي دبيّ للصحافة«-العريق والرائد في تقاليده الإشعاعية-..

وكان الراحل الكبير خلفان الرومي رئيسًا للمجلس. كنت، وسائر زملائي في المجلس، أمام مدرسة حقيقية في التسيير والإدارة. زاد إعجابي-حينها- بحنكة أبي فيصل في إدارة اجتماعات عاصفة؛ في بناء التوافق بين آراء متباينة و-أحيانًا- متضاربة؛ في اجتراح الحدّ الأدنى المشترك بين خيارات حدِّية...إلخ. تلك، أيضًا، من علامات الخبرة والحنكة المتولّدين من الدّربة والمِراس في تجربة العمل في مؤسسات الدولة، عند رجل يعرِف -على التحقيق- كيف يراكِم الخبْرات، ويستثمرها ويبني عليها.

رجل بهذه السّجايا والشِّـيم، بهذا القدْر والمقدار، هو بمقاييس هذا الزمن المجْدِب الأعجف، في عِدادِ القلِّ، لا في جملة الكثر. لذلك يمثّل غيابه خسارةً جسيمةً لوطنه الصغير (الإمارات العربية المتحدة) ولوطنه العربي الكبير؛ للسياسة، للثقافة، للأهل، للأصدقاء. كلّ العزاء في أنه بصم بصمته الطيبة في جيليْن من أبناء وطنه، وخلّف فينا ذكراه أيقونةً نقرأ فيها آيات العطاء ونعتبر اعتبار من يبني على السابقين. وقديمًا قال أبو الطيب المتنبي:

وإذا كـانت النفـوس كبــــــارًا

تعِبـت في مرادهــا الأجســام