«نرشد الحائرين إلى طريق الحرية»، هذه العبارة ليست لأحد التنويريين أو الأدباء أو غيرهم، وإنما هي للإرهابي المعروف ابن لادن يمدح بها إحدى عملياته الإرهابية، فظاهرة توظيف المصطلحات مثل مصطلح الحرية لتحقيق الأغراض وتمرير الأجندات وخداع الجماهير واستمالتهم واستقطابهم ظاهرة قديمة وحديثة شائعة.
فكم من شعار برَّاق اشتمل في طياته على السم الزعاف، وكم من عنوان عريض جذاب تستر وراءه تطرف وإرهاب وإجرام، ولذلك فإن العقول الواعية لا تقف عند حدود الشعارات والعناوين، بل تتخطى ذلك عبر النظر الفاحص للتأكد من سلامة الفحوى والمضامين.
إن كلمة الحرية كلمة جميلة، والإسلام دين العدالة والكرامة والحرية الحقَّة، وهو جاء لتحرير الإنسان من أغلال الجهل والتخلف، والسمو بروحه وعقله إلى علياء العلم والإيمان، وخلق الله الإنسان مختاراً، وهداه النجدين الخير والشر، وجعله مسؤولاً ومحاسَباً على اختياراته.
ورفع الحرج عن المكره، لأنه غير مختار، ونهى عن إكراه الناس على الإيمان، لأنهم لو آمنوا مكرهين غير مقتنعين لم ينتفعوا، فالاختيار مناط التكليف، والإسلام حفظ حقوق الناس وحرياتهم وفق أرقى المعايير والضوابط.
إن مصطلح الحرية كغيرها من المصطلحات التي وظفتها بعض الفئات لتحقيق أجنداتها، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، الذين تستروا خلف هذه الكلمة، حتى سموا حزبهم السياسي البائد في مصر بحزب الحرية والعدالة، وكُتُب سيد قطب طافحة بمفردة الحرية بأنواعها، بل كانت هذه الكلمة إحدى اللبنات التي بنى عليها أيديولوجيته المتطرفة بسوء توظيفها.
فمن ركائز فكره أن التحرر من العبودية للعبيد هو بإسقاط الأنظمة، وأن العنف مظهر من مظاهر العزة والكرامة للفوز بالحرية المزعومة، وأن أتباع هذا الفكر هم أحرار مؤمنون، ومعارضوه هم عبيد مرتدون، فجعل الناس فسطاطين أحراراً وعبيداً، هؤلاء مؤمنون، وهؤلاء مرتدون، وقد رأينا كيف أن التنظيم السري الإخواني في الإمارات وظَّف كلمة الحرية حتى سمى أتباعه بأحرار وحرائر الإمارات.
كما أن تنظيمي القاعدة وداعش وظَّفا هذا المصطلح كما أسلفنا في بداية المقال، فهم يتغنون بالحرية الزائفة، ويخدعون بها الأتباع، ولقد ردد الظواهري والزرقاوي وغيرهما قول الشاعر: «وللحرية الحمراء بابٌ... بكل يد مضرَّجةٍ يُدقُّ»، وهو بيتٌ لأحمد شوقي ضمن قصيدة قالها للتنديد بالعدوان الفرنسي على سوريا في وقته، فأنزلها تنظيما القاعدة وداعش في غير موضعها كعادتهم.
كما أن هذه الكلمة اتخذها بعضهم مطية لبلوغ أطماع سياسية، فهناك الإخوان المسلمون الذين يهدفون للانقضاض على السلطة بتسييس الدين والتغني بالحرية، وهناك من يحارب الإخوان ولكنه في الوقت نفسه يأتي من الباب الخلفي لتحقيق نفس الغرض وهو الوصول للسلطة ولكن بتسييس الحرية وباسم العلمنة والتعددية الحزبية وغيرها، ليلتقي هؤلاء وهؤلاء في الهدف ويختلفوا في الوسيلة، هؤلاء باسم الأخونة وهؤلاء باسم العلمنة.
كما نجد أن هناك من يفرط في الحرية الفردية، ويجعلها مطية لتقييد الدولة وتحجيم دورها، وهدم القيم المجتمعية وتغليب النظرة الفردية الأنانية المفرطة التي تجعل مصلحة الفرد فوق مصلحة الوطن، بل تجعل وطن الإنسان الحقيقي هو نفسه، والمصالح العليا هي مصالحه الخاصة.
ومن المظاهر السلبية للحرية المنفلتة فتح المنافذ أمام الإرهاب بدعوى حرية الرأي والتعبير، فالعرب والمسلمون يقاتلون تنظيم القاعدة، ويضحُّون بأرواحهم وأموالهم، ويبذلون الغالي والنفيس، وهناك مواقع عالمية تسمح بنشر فيديوهات وصوتيات تحريضية وتكفيرية لابن لادن والظواهري وغيرهما أمام مرأى من العالم باسم الحرية، حتى سمحت هذه المواقع بنشر وتداول أحدث خطاب صوتي للظواهري.
والذي أصدره قبل أيام قليلة وتهجم فيه على الأنظمة العربية متهماً إياها بالردة، ووصل عدد مشاهدات مقاطع هذا الخطاب إلى أكثر من 10000 مشاهدة، خلال ثلاثة أيام فقط، فالعجب من بعض الجهات كيف تسعى لإلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين الذين يحاربون الإرهاب، ولا تلتفت أبداً إلى هذه المواقع التي يطل من خلالها زعماء القاعدة مروجين لأفكارهم المتطرفة أمام مرأى ومسمع منهم.
وقد نوّه كثيرون على هذه الثغرة الخطيرة، ولكن تلك الشركات لا تستجيب أبداً بدعوى الحرية المفرطة، ولذلك فإن من واجب الدول الكبرى التي تؤوي هذه الشركات أن تتحمل مسؤوليتها، وأن توقف شلال الإرهاب المتدفق من عقر دارها عبر هذه الشركات.
وأخيراً فإن المجتمعات العربية والإسلامية تواجه اليوم في ظل محاربة الإرهاب والتحديات الأخرى ضغوطاً كبيرة حول مفاهيم ومصطلحات عديدة تدور في أروقة الفكر والثقافة والسياسة والحقول المختلفة، مثل الحرية وغيرها، وإن من واجبها أن تثق بنفسها وبموروثاتها.
وأن تساهم بشكل فعال في بناء الحضارة والمعرفة، لا أن تكون عالة على غيرها، أو أن تقولب مفاهيمها بقوالب ثقافات أخرى من منطلق الشعور بالضعف أمامها، أو من منطلق عقدة النقص أو الخجل من ثقافتها، فلديها رصيد حضاري كبير.
وهي أمة الرسالة الخاتمة التي حملت لواء العلم والتقدم عبر قرون، فعليها أن تقدم للعالم المعاني الناصعة، وأن تقوم بواجب تصحيح التصورات وتخليصها من المفاهيم المغلوطة، عبر علمائها ومفكريها ومثقفيها وساستها، بالحكمة والبيان الساطع، مستفيدة من التجارب النافعة، وإن أمة عريقة تصدرت المشهد الحضاري عبر قرون طويلة جديرة بأن تعيد مجدها وتتقدم ركب الحضارة من جديد.