تبنت دولة الإمارات، في خطوة رائدة، مشروعاً لإعداد العلماء الإماراتيين، للقيام بواجب النهوض بالخطاب الديني المعتدل، في ظل ما يحيط بالعالم الإسلامي من تحديات كبرى، يتحمل الخطاب الديني المنحرف، جزءاً كبيراً من مسؤوليتها، والمشروع في أصله مهم، فإن دور الدول والحكومات كبير في ترشيد الخطاب الديني.

وإعداد البرامج والمشاريع التي تنتج للمجتمع خطاباً دينياً معتدلاً، يقوم على أسس متينة، ولا يخفى أن موضوع الخطاب الديني موضوع حساس، وبمقدار ضبطه وانضباط الخائضين فيه، يُعالَج كثير من الفوضى الفكرية والاضطرابات الدينية والثقافية، وقد أحببنا الإشارة إلى بعض العناصر التي قد تسهم في نجاح هذا المشروع، وذلك من وجهة نظرنا القاصرة.

فأول ذلك، أهمية وجود الرؤية الاستيعابية والاستشرافية في صياغة أصول الخطاب الديني للطلبة، فالأوطان والشعوب تحتاج إلى خطاب ديني معتدل، متكامل الأبعاد، محصن من جميع المؤثرات السلبية، تقوم على رؤية متكاملة، تستوعب الماضي والحاضر، وتستشرف المستقبل.

وتبني على الثوابت خطاباً عصرياً متجدداً، ينطلق من نصوص الشريعة ومقاصدها، ويتواءم مع متطلبات الواقع والتحديات الراهنة والمستقبلية، لا خطاباً مرحلياً قد يكون رهين تحديات معينة فقط في بناء تصوراته ورسم استراتيجياته، وهذه النظرة ذات أهمية كبرى في صياغة أصول الخطاب الصحيح، فالواقع أثبت أن التحديات التي تواجه الأمم والشعوب، تختلف من فترة إلى أخرى، فتحديات الأمس ليست كتحديات اليوم..

وتحديات ما قبل ذلك مختلفة أيضاً، كما أن الواقع الواحد قد يتعرض لتحديات عدة، مختلفة في أصولها ومبانيها، ووجود الرؤية الاستيعابية الاستشرافية، يسد أي نقص في هذا الباب، ويسهم في إنتاج خطاب ديني واعٍ صحيح يعالج الواقع بشكل عميق، ويتحلى في الوقت نفسه بالسلامة من أي قصور أو أي آثار جانبية في الحاضر أو المستقبل.

وأما الأمر الثاني، فهو أهمية ترسيخ أصول البناء والتفكيك، ونعني بالبناء، تزويد الطالب بمعايير ومخرجات الخطاب الديني الصحيح، ونعني بالتفكيك، تزويده بمعايير وأدوات تفكيك الخطابات الدينية والفكرية المنحرفة، وخاصة خطابات العنف والتطرف والأفكار الهدامة.

والتفكيك لا يمكن أن يؤدي نتائجه المثلى، دون أساس راسخ وبناء شامخ، بل لا يمكن التفكيك والإزاحة بشكل فاعل، دون وجود الثقافة الأصيلة الصحيحة القوية في المجتمعات، والتي تكسح بقوتها أي ثقافة سلبية وفكر دخيل، ويمكن أن نشبه البناء بالحصن الذي يحمي قاطنيه، والتفكيك بالأدوات التي تصد من يريد أن يتسور الحصن أو يتسلل إليه من الدخلاء المغرضين، ولا يمكن تحقيق الأمن الروحي والفكري دون هذا الحصن المشيد وأدوات الصد الفاعلة معاً.

وأما الأمر الثالث، الذي نود الإشارة إليه، فهو ابتكار الطرق الإبداعية المتميزة في البناء المعرفي للطلبة، والتي تتسم بالواقعية وقوة الربط بين الجانب النظري والعملي..

والعناية بالمخرجات التي تخدم ذلك، ولا نعني بالجانب النظري، ما يمارسه الطالب أثناء الإعداد من مهارات عملية فقط، بل نعني به ما سيمارسه الطالب على أرض الواقع بعد التخرج، فهو ميدانه الأرحب، وكلما كانت المعلومات النظرية التي تلقاها في مرحلة الإعداد، تصب في خدمة هذا الهدف، كلما كانت النتائج مثمرة، وكان الإنتاج أقوى..

وقد أثبت الواقع، أن مجرد تكديس المعلومات في العقول، بغض النظر عن نوعيتها وفاعليتها، لا يصنع أفراداً منتجين في المجتمع، فالهدف ليس مجرد إعداد أفراد، بل إعدادهم لنشر الخطاب الديني المعتدل في المجتمع، كما أن الهدف ليس مجرد تلقي معلومات نظرية، قد لا تخدم الواقع، بل تلقي معلومات يعم نفعها، وينتشر خيرها، وتسهم في البناء والنهوض والسلام والاستقرار.

وأما الأمر الرابع، فهو تزويد الطلبة بالوسائل المثلى في مخاطبة الناس، وأساليب التواصل والإقناع، وطرق عرض المعلومة وطرحها، ومراعاة مستويات المخاطَبين، وحسن التصور قبل القول والحكم، ومعرفة أصول البحث والحوار، وخاصة في مواجهة الشبهات والتحديات، فكم وجدنا للأسف من يناقشون بعض الأفكار الهدامة في بعض القنوات وغيرها، دون أن يمتلكوا تصوراً صحيحاً لخطاب الآخر، ورؤية صحيحة لطرق مواجهته، ما ينتج في الغالب ردات فعل سلبية..

ولا شك أن أحد الأسباب التي ساعدت على وقوع بعض الشباب في الإلحاد، كمثال على هذه الجزئية، هو ضعف الخطاب الديني الذي قابلهم، والذي لم يُعْنَ بتفكيك شبهاتهم من المنطلقات التي يستشكلونها، ما أوقعهم في قناعات زائفة، فتشبثوا بأفكارهم، بل تحولوا إلى دعاة إليها.

وأخيراً، فإن أسس بناء الخطاب الديني المعتدل كثيرة، وركائزه عديدة، تقوم على المحافظة على العقيدة الوسطية الناصعة، والهوية الإسلامية المعتدلة، وحماية ثوابت الدين الحنيف، والدفاع عن الإسلام ضد مظاهر التشويه، والمحافظة على أصول الأخلاق والقيم، والمحافظة على الوحدة والتلاحم والاستقرار والهوية الوطنية وقيم المواطنة الصالحة..

واستيعاب الخلافات الفقهية المعتبرة، والعناية بالدليل ووجوه الاستدلال وطرق الاستنباط، ومعرفة مقاصد الشريعة وفقه العلل وقواعد المصالح والمفاسد، والحذر الشديد في ما يتعلق بفقه النوازل، والبعد عن الفتاوى الفردية، وإدراك رؤية الدولة والقيادة الحكيمة، والتصور الصحيح للواقع الذي يُمارس فيه الخطاب الديني، ولا بد أن تتوفر في حملة الخطاب الديني المعتدل الصفات اللائقة بهم، مثل الرغبة القوية في تحصيل العلم، والصبر عليه، واكتساب المهارات ذات الصلة، وتنميتها لتقديم أرقى خطاب شكلاً ومضموناً.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث