من إبداعات العرب في الأندلس

فتح النصف الجنوبي من شبه الجزيرة الأيبيرية في الأعوام ما بين 711 - 714 ميلادية، على يد جيش عربي قاده طارق بن زياد، الذي استمد جبل طارق اسمه منه، وبقي معظم أرجاء الأندلس جزءاً من ديار الإسلام حتى أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، كما صمدت مملكة غرناطة حتى عام 1492.

لقد وجدت التقاليد المتعلقة بأواني الفخار المطلية في إسبانيا قبل فترة طويلة من وصول أي من التأثيرات الإسلامية. كما استخدمت، بين الفينة والأخرى، أواني الفخار المزججة باللون البني أو الأخضر، وكان قوامها الجالينا، ممزوجاً بالحديد أو النحاس، غير أن المعرفة الفنية السائدة في الشرق الأوسط، لم تصل إلى إسبانيا لعدة قرون.

وزعم المؤرخون أن الفخار المزجج قد تم إبداعه في قرطبة خلال القرن الحادي عشر، ولكن لا يوجد دليل قاطع على ذلك. وكتب المؤرخ الإدريسي قبل فترة قصيرة من عام 1154، يقول إنه في قلعة أيوب بمنطقة أراغون »كانت تتم صناعة أواني الذهب وإرسالها لأراضٍ بعيدة«، إلا أن تلك الصناعة نشطت لفترة قصيرة، واختفت دون أثر.

كما كان هناك بعض الإنتاج للفخار في بالما بجزيرة مايوركا، وذلك قبل الاحتلال من قبل جيوش الشمال عام 1229، لكنه لم يستمر. لقد كان الخزافون الذين جلبوا وسيلة صقل الفخار لمدينة ملقا، أول من أرسوا تقليداً دائماً. ويبدو أن عملية صقل الفخار في ملقا قد بدأت بعد وقت قصير من الغزو المغولي لبلاد فارس.

ويمكن العثور على أصل الصناعة الجديدة لصقل الفخار في ملقا، في مصر الفاطمية، وهناك أوجه تشابه لافتة للنظر بين بعض تفاصيل رسومات التصاميم الفاطمية، وتلك الموجودة في ملقا..

ويحتمل وصول الأساليب المصرية لصقل الفخار لتلك المدينة من خلال الحرفيين من الفسطاط (بمصر)، وذلك عبر المسلمين في صقلية وتونس والأندلس. وقد تم توجيه الفخار في كلا الاتجاهين، إذ تم العثور على بعض من فخار ملقا المصقول في الفسطاط.

كانت أواني ملقا الفخارية المصقولة راسخة، وذلك بحلول عام 1300. وقال أحمد بن يحيى، في بحثه الجغرافي الذي تمت كتابته في كل من القاهرة ودمشق عام 1337، متحدثاً عن مدينة ملقا: »كانت تشتهر بالعديد من الصناعات.. كأعمال الحديد، وصناعة أواني الفخار المذهبة، وهي أمور ليست معروفة في أي مكان آخر«.

وقد كتب الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة، بعد ارتحاله إلى أقاصي الصين وسومطرة، وتحديداً بعد زيارة الأندلس في حوالي عام 1350، يقول: »تتم في ملقا وحدها فحسب، صناعة الفخار المذهب الرائع، مع إرساله إلى أراضٍ قصيّة«.

ظلت مملكة غرناطة، من عام 1238 حتى عام 1492، والتي أسسها محمد بن الأحمر من بني نصر، المنطقة المسلمة الوحيدة المتكاملة في إسبانيا.

وجرت للمرة الأولى صناعة الآنية الفخارية المصقولة في ملقا لنبلاء بني نصر. وسرعان ما أصبحت المدينة أيضاً وجهة هامة للصادرات التجارية، ليتم إرسال الفخار بشكل منتظم، عن طريق البحر، لبلنسية وبرشلونة، ولموانئ أبعد. كما استوردت إليانور ملكة قشتالة، زوجة إدوارد الأول ملك إنجلترا، الآنية الفخارية من ملقا عام 1289.

وحظيت الأواني الفخارية المصقولة لبني نصر، بتصاميم بشكل معين، بالكاد يمكن التخلي عن مكنونها، وكان معظمهما بتصاميم هندسية.

تظهر تصاميم الأواني الفخارية المخصصة لبني نصر، مزخرفة بشكل بسيط، في البداية، غير أن بعضها حظي، من دون شك، بدلالة محددة. فقد زين بعضها بنمط »العافية«. وذلك استناداً إلى النصوص العربية الدالة على النعمة أو حسن الطالع، ورمز »الكف أو الخمسة«. أما الأواني الفخارية الأخرى..

كتلك المزخرفة بنجمة ثمانية، فقد كانت لغرض الزينة، ولكنها كانت أيضاً بمسحة رمزية، تدل على الوحدة. فضلاً عن العثور على رسم لتصاميم شجرة الحياة، في العديد من الأضرحة بالقرب من مدينة ولبة.

كانت التصاميم بدائية الصنع نادرة في صناعة الفخار المصقول لبني نصر، ولا توجد أي آنية فخارية أصدق من المزهريات الثماني الثمينة الموجودة حتى الآن من الآنية المصنوعة في الأساس لقصر الحمراء. فقد جُمع فيها معظم العلامات والشعارات التي تم العثور عليها، بشكل منفصل، على العديد من المزهريات الصغيرة.

إن أشكال المزهريات بارزة ومهيبة، ويبدو أنه ليس لها أي غرض عملي، فقد كانت لغرض شغل المساحة الموجودة في كوى جدران القصر.

وتمنح المزهريات، التي هي تقريباً بارتفاع يضاهي الإنسان، انطباعاً بوجود حارس، وتقدم قلة من الأواني الأخرى في العالم مثل ذلك الانطباع المادي القوي. ولا تزال مثل تلك الكوى، موجودة اليوم في قصر الحمراء نفسه، وفي قصر يقع بالقرب من مدينة ملقا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات